سِياسة *
التّعريف :
1 - للسّياسة في اللّغة معنيان : الأوّل : فعل السّائس . وهو من يقوم على الدّوابّ ، ويروّضها . يقال : ساس الدّابّة يسوسها سياسةً .
الثّاني : القيام على الشّيء بما يصلحه . يقال : ساس الأمر سياسةً : إذا دبّره .
وساس الوالي الرّعيّة : أمرهم ، ونهاهم ، وتولّى قيادتهم .
وعلى ذلك فإنّ السّياسة في اللّغة تدلّ على التّدبير ، والإصلاح ، والتّربية .
وفي الاصطلاح تأتي لمعان :
2 - منها : الأوّل : معنًى عامّ يتّصل بالدّولة ، والسّلطة . فيقال : هي استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطّريق المنجّي في العاجل والآجل ، وتدبير أمورهم .
وقال البجيرميّ : السّياسة : إصلاح أمور الرّعيّة ، وتدبير أمورهم . وقد أطلق العلماء على السّياسة اسم : " الأحكام السّلطانيّة " أو " السّياسة الشّرعيّة " ، أو " السّياسة المدنيّة " . ولمّا كانت السّياسة بهذا المعنى أساس الحكم ، لذلك سمّيت أفعال رؤساء الدّول ، وما يتّصل بالسّلطة " سياسة " وقيل : بأنّ الإمامة الكبرى - رئاسة الدّولة - موضوعة لخلافة النّبوّة في حراسة الدّين ، وسياسة الدّنيا .
وعلى ذلك فإنّ علم السّياسة : " هو العلم الّذي يعرف منه أنواع الرّياسات ، والسّياسات الاجتماعيّة والمدنيّة ، وأحوالها : من أحوال السّلاطين ، والملوك ، والأمراء ، وأهل الاحتساب ، والقضاء والعلماء ، وزعماء الأموال ، ووكلاء بيت المال ، ومن يجري مجراهم.
وموضوعه المراتب المدنيّة ، وأحكامها ، والسّياسة بهذا المعنى فرع من الحكمة العمليّة . ولعلّ أقدم نصّ وردت فيه كلمة " السّياسة " بالمعنى المتعلّق بالحكم ، وهو قول عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعريّ في وصف معاوية - رضي الله عنهم - : " إنّي وجدته وليّ الخليفة المظلوم ، والطّالب بدمه ، الحسن السّياسة ، الحسن التّدبير " .
3 - المعنى الثّاني : يتّصل بالعقوبة ، وهو أنّ السّياسة : " فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها ، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئيّ " .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّعزير :
هو تأديب على ذنب لا حدّ فيه ، ولا كفّارة غالباً ، سواء أكان حقّاً للّه تعالى ، أم لآدميّ . ومن نظر إلى العقوبة قال : هو تأديب دون الحدّ .
أو قال : عقوبة غير مقدّرة حقّاً للّه تعالى أو للعبد .
ولذلك قال ابن القيّم : التّعزير لا يتقدّر بقدر معلوم . بل هو بحسب الجريمة في جنسها ، وصفتها ، وكبرها ، وصغرها .
وعنده أنّ التّعزير يمكن أن يزيد عن الحدّ .
وحجّته أنّ الحدّ في لسان الشّرع أعمّ منه في اصطلاح الفقهاء .
فالتّعزير أخصّ من السّياسة .
ب - المصلحة :
4 - المصلحة المحافظة على مقصود الشّرع . ومقصود الشّرع من الخلق خمسة :
وهو أن يحفظ عليهم دينهم ، ونفسهم ، وعقلهم ، ونسلهم ، ومالهم . فكلّ ما يتضمّن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة . وكلّ ما يفوّت هذه الأصول فهو مفسدة ،ودفعها مصلحة. أو بعبارة أخرى : هي المحافظة على مقصود الشّرع بدفع المفاسد عن الخلق فالمصلحة هي الغرض من السّياسة .
الحكم التّكليفيّ :
5 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّ للسّلطان سلوك السّياسة في تدبير أمور النّاس وتقويم العوج ،وفق معايير وضوابط يأتي بيانها ، ولا تقف السّياسة على ما نطق به الشّرع. قال الحنفيّة : السّياسة داخلة تحت قواعد الشّرع ، وإن لم ينصّ عليها بخصوصها ، فإنّ مدار الشّريعة - بعد قواعد الإيمان - على حسم موادّ الفساد لبقاء العالم .
وقال القرافيّ من المالكيّة : إنّ التّوسعة على الحكّام في الأحكام السّياسيّة ليس مخالفًا للشّرع، بل تشهد له الأدلّة ، وتشهد له القواعد ، ومن أهمّها كثرة الفساد ، وانتشاره ، والمصلحة المرسلة الّتي قال بها مالك ، وجمع من العلماء .
وقال أبو الوفاء بن عقيل من الحنابلة : للسّلطان سلوك السّياسة ، وهو الحزم عندنا ، ولا يخلو من القول فيه إمام . ولا تقف السّياسة على ما نطق به الشّرع . إذ الخلفاء الرّاشدون - رضي الله عنهم - قد قتلوا ، ومثّلوا ، وحرقوا المصاحف . ونفى عمر ، نصر بن حجّاج ، خوف فتنة النّساء . واعتبروا ذلك من المصالح المرسلة .
وقد حذّر ابن القيّم من إفراط مَنْ منع الأخذ بالسّياسة ، مكتفياً بما جاءت به النّصوص ، وتفريط من ظنّ أنّ الأخذ بها يبيح لوليّ الأمر فرض ما يراه من عقوبة على هواه ..
ثمّ قال : وكلا الطّائفتين أُتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث اللّه به رسوله ، وأنزل به كتابه . فإنّ اللّه سبحانه أرسل رسله ، وأنزل كتبه ليقوم النّاس بالقسط ، وهو العدل الّذي قامت به الأرض والسّموات . فإن ظهرت أمارات العدل ، وأسفر وجهه بأيّ طريق كان ، فثمّ شرع اللّه ودينه ، فأيّ طريق استخرج بها العدل ، والقسط ، فهي من الدّين .
وأمّا الشّافعيّة فقد ذهبوا إلى أنّ السّياسة يجب أن تكون في حدود الشّريعة ، لا تتعدّاها . حتّى قالوا : لا سياسة إلاّ ما وافق الشّرع . وبذلك كانوا أبعد النّاس عن الأخذ بالسّياسة بالمعنى المراد عند الجمهور وهو عدم الاقتصار على ما وردت به نصوص بخصوصه .
أقسام السّياسة :
6 - تقسم السّياسة إلى قسمين : سياسة ظالمة ، تحرّمها الشّريعة .
وسياسة عادلة تظهر الحقّ ، وتدفع المظالم ، وتردع أهل الفساد ، وتوصّل إلى المقاصد الشّرعيّة ، وهي الّتي توجب الشّريعة اعتمادها ، والسّير عليها .
والسّياسة العادلة من الشّريعة ، علمها من علمها ، وجهلها من جهلها ، وما يسمّيه أكثر السّلاطين الّذين يعملون بأهوائهم ، وآرائهم - لا بالعلم - سياسةً فليس بشيء .
وقد كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الرّاشدون يسوسون النّاس في دينهم ، ودنياهم، فكان الحكم والسّياسة شيئاً واحداً . ثمّ لمّا اتّسعت الدّولة ظهر الفصل بين الشّرع ، والسّياسة لأنّ أهل السّلطة صاروا يحكمون بالأهواء من غير اعتصام بالكتاب والسّنّة .
قال ابن القيّم : تقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة ، كتقسيم غيرهم الدّين إلى شريعة وحقيقة ، وكتقسيم آخرين الدّين إلى عقل ونقل .. وكلّ ذلك تقسيم باطل . بل السّياسة، والحقيقة ، والطّريقة ، والعقل ، كلّ ذلك ينقسم إلى قسمين : صحيح ، وفاسد . فالصّحيح قسم من أقسام الشّريعة لا قسيم لها ، والباطل ضدّها ، ومنافيها ، وهذا الأصل من أهمّ الأصول ، وأنفعها . وهو مبنيّ على حرف واحد ، وهو عموم رسالته صلى الله عليه وسلم بالنّسبة إلى كلّ ما يحتاج إليه العباد في معارفهم ، وعلومهم وأعمالهم ، وأنّه لم يحوج أمّته إلى أحد بعده ، وإنّما حاجتهم إلى من يبلّغهم عنه ما جاء به .
حسن سياسة الإمام للرّعيّة :
7 - إنّ للسّياسة أثراً كبيراً في الأمّة ، فحسن السّياسة ينشر الأمن ، والأمان في أنحاء البلاد .وعندئذ ينطلق النّاس في مصالحهم وأموالهم مطمئنّين ، فتنمو الثّروة ، ويعمّ الرّخاء، ويقوى أمر الدّين .
ولا يمكن أن يتحقّق ذلك إلاّ إذا كانت للإمام سياسة حازمة ، تهتمّ بكلّ أمور الأمّة ، صغيرها وكبيرها ، وترغّب النّاس بفعل الخيرات ، وتثيب على الفعل الجميل ، كما تحذّر من الشّرّ ، والفساد ، وتعاقب عليه ، وتقطع دابر دعاته ومقترفيه وبغير هذه السّياسة تضعف الدّولة ، وتنهار وتخرب البلاد .
والسّياسة الحازمة المحقّقة لخير الأمّة هي الّتي يكون فيها الإمام بين اللّين والعنف ، ويقدّم اللّين على الشّدّة ، والدّعوة الحسنة على العقوبة .
وعليه أن يهتمّ بإصلاح دين النّاس ، لأنّ في ذلك صلاح الدّين والدّنيا .
وأعظم عون على ذلك ثلاثة أمور :
الأوّل : الإخلاص للّه تعالى ، والتّوكّل عليه .
والثّاني : الإحسان إلى الخلق بالنّفع والمال .
والثّالث : الصّبر على أذى الخلق ، وعند الشّدائد .
قواعد السّياسة :
أسس السّياسة الشّرعيّة العامّة : هي تلك القواعد الأساسيّة الّتي تبنى عليها دولة الإسلام ، ويستلهم منها النّهج السّياسيّ للحكم .
الأساس الأوّل : سيادة الشّريعة :
8 - يؤكّد القرآن الكريم هذه السّيادة في أكثر من موضع . من ذلك قوله تعالى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً } .
وقوله تعالى : { ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ } .
قال ابن جرير : ألا له الحكم والقضاء دون سواه من جميع خلقه ، وذلك حقّ في الدّنيا والآخرة ، لأنّ مبنى الحساب في الآخرة إنّما يقوم على عمل النّاس في الدّنيا . ولا يحاسب النّاس على ما اجترحوا في الدّنيا إلاّ على أساس هذه الشّريعة الّتي جاءت أحكامها منظّمةً للحياة الاجتماعيّة والسّياسيّة ، والاقتصاديّة ، وأمور المعاملات الأخرى .
9- وما دامت الحاكميّة في هذا العالم لشريعة اللّه تعالى في كلّ شؤون الحياة ، وإلى آخر الزّمان ، فإنّ الكثير من الآيات جاءت آمرةً بتطبيق أحكامها ، واتّباع ما أمرت به ، وترك ما نهت عنه . من ذلك قول اللّه تعالى : { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } .
قال ابن جرير : فاتّبع تلك الشّريعة الّتي جعلناها لك ، ولا تتّبع ما دعاك إليه الجاهلون باللّه الّذين لا يعرفون الحقّ من الباطل ، فتعمل به ، فتهلك إن عملت به ، وهو قول ابن عبّاس وقتادة وابن زيد .
وقال الزّمخشريّ : فاتّبع شريعتك الثّابتة بالدّلائل والحجج ، ولا تتّبع ما لا حجّة عليه من أهواء الجهّال ودينهم المبنيّ على هوًى وبدعة . ومن ذلك قوله تعالى : { اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } .
قال القرطبيّ : قوله تعالى : { اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ } يعني الكتاب والسّنّة . قال تعالى : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا } ، وقالت فرقة : هذا أمر يعمّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأمّته . والظّاهر أنّه أمر لجميع النّاس دونه . أي : اتّبعوا ملّة الإسلام والقرآن ، وأحلّوا حلاله وحرّموا حرامه ، وامتثلوا أمره ، واجتنبوا نهيه . ودلّت الآية على ترك اتّباع الآراء مع وجود النّصّ .
10 - وممّا يؤكّد أنّ الأمر باتّباع ما أنزل اللّه تعالى لا يخصّ القرآن فحسب ، بل يعمّ السّنّة أيضاً ، ما جاء في عدد من الآيات من الأمر باتّباعها وتطبيقها . من ذلك قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } .
حقّ الإمام في وضع الأنظمة المستنبطة من الشّريعة :
11 - تقرير مبدأ سيادة الشّريعة لا يعني حرمان الإمام ، ومن دونه أهل الحكم والسّلطة من حقّ اتّخاذ القرارات ، والأنظمة الّتي لا بدّ منها لسير أمور الدّولة .
ذلك لأنّ نصوص الشّريعة محدودة ، ومتناهية ، وأمّا الحوادث ، وتطوّر الحياة ، والمسائل الّتي تواجه الأمّة والدّولة معاً ، فغير محدودة ، ولا متناهية . ولا بدّ للإمام ، وأهل الحكم من مواجهة كلّ ذلك بما يرونه من أنظمة ، ولكن هذا الحقّ ليس مطلقاً ، وإنّما هو مقيّد بما لا يخالف النّصوص الشّرعيّة ، ولا يخرج على مبادئ الإسلام ، وقواعده العامّة ، وأن يكون ذلك لمصلحة الأمّة الواجبة الرّعاية ، والّتي لأجلها قامت الدّولة ، ولا يكون ذلك إلاّ بعد الرّجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص من الفقهاء وغيرهم .
الأساس الثّاني : الشّورى :
12 - الحكم أمانة ، والإمام ، ومن يتولّى السّلطة مسئولون عن تلك الأمانة . لذلك كان من صفاتهم أنّهم لا يستبدّون برأي ، ولا يغفلون عن الاستفادة من عقول الرّجال لقوله تعالى :
{ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } .
وعليه ، فإنّ من المقرّر فقهًا أنّ على الإمام مشاورة العلماء العاملين النّاصحين للدّولة وللأمّة ، وأن يعتمد عليهم في أحكامه ، كي يدوم حكمه ، ويقوم على أساس صحيح .
وينظر مصطلح ( شورى ) .
الأساس الثّالث : العدل :
13 - العدل هو الصّفة الجامعة للرّسالة السّماويّة الّتي جاء الرّسل عليهم الصلاة والسلام لتحقيقها ، وإرشاد النّاس إليها ، وحملهم عليها . ففي القرآن الكريم :
{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } .
وقوله تعالى : { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ } الآية .
فالعدل أمر فرض اللّه سبحانه على المسلمين السّعي لإقامته في الأرض ، وليكون من أبرز خصائصهم بين الأمم ، لأنّ دينهم دين العدل . حتّى قال عمر - رضي الله عنه - بأنّه " لا رخصة فيه في قريب ، ولا بعيد ، ولا في شدّة ، ولا رخاء " وقال ابن تيميّة بوجوبه على كلّ أحد ، وفي كلّ شيء . وتفصيل ذلك في مصطلح ( عدل ) .
مصدر السّلطات :
14 - نصب الإمام واجب شرعاً ويتعيّن الإمام بالبيعة من أهل الحلّ والعقد ، والإمام مكلّف بأحكام الشّريعة ، وملزم بالحلال ، والحرام ، ومسئول عن ذلك كأيّ مسلم في الأمّة ، وهو فوق ذلك مسئول عن تطبيق تلك الأحكام في كلّ شأن من شئون الدّولة ، لأنّه بمنصبه أقوى رجل في الأمّة ووجبت عليها طاعته .
وانظر مصطلح : ( طاعة ، الإمامة الكبرى ، بيعة . ) .
أنواع السّياسة الشّرعيّة :
أوّلاً : السّياسة الشّرعيّة في الحكم :
الإمامة :
15 - من الثّابت أنّ الإسلام دين ودولة ، لأنّ القرآن الكريم هو كتاب عقيدة ، كما هو كتاب أحكام ، وقواعد تنظّم صلة الإنسان بالإنسان ، والإنسان بالمجتمع ، والمجتمع المسلم بغير المسلم في حالة السّلم ، والحرب .
وهو إلى جانب ذلك يحوي كلّ أنواع الحقوق ، وفروعها . فالحقوق المدنيّة إلى جانب الحقوق الجزائيّة ، والاقتصاديّة ، والماليّة ، والتّجاريّة ، والدّوليّة بفرعيها العامّة والخاصّة.
ولم تكن هذه الحقوق مواعظ متروكةً لرغبة الإنسان ، وإنّما هي أحكام آمرة ، واجبة التّنفيذ، وهذا لا يكون إلاّ بقيام الدّولة .
وهذه الدّولة لا بدّ لها من إمام " رئيس " يتولّى أمورها ، كما يسهر على مصلحة الأمّة وقد أرشد القرآن الكريم إلى ذلك بهذه الآية المجيدة : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً .. } .
قال القرطبيّ : هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع ، لتجتمع به الكلمة ، وتنفّذ به أحكام الخليقة .
وفي السّنّة أنّ رسول اللّه عليه الصلاة والسلام قال : « لا يحلّ لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلاّ أمّروا عليهم أحدهم » . وقال : « إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمّروا أحدهم » .
قال الشّوكانيّ : وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض ، أو يسافرون ، فشرعيّته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ، ويحتاجون لدفع التّظالم ، وفصل التّخاصم ، أولى وأحرى . وفي ذلك دليل لقول من قال : إنّه يجب على المسلمين نصب الأئمّة ، والولاة ، والحكّام . ولمّا كان صلاح البلاد ، وأمن العباد ، وقطع موادّ الفساد ، وإنصاف المظلومين من الظّالمين لا يتمّ إلاّ بسلطان قاهر ، قادر لذلك وجب نصب إمام يقوم بحراسة الدّين ، وسياسة أمور الأمّة ، وهو فرض بالإجماع .
وأمّا صفات هذا الإمام وشروطه وما تنعقد به إمامته فتنظر في ( الإمامة الكبرى ، وبيعة ) .
حقوق الإمام :
16 - ذهب الماورديّ ، وأبو يعلى إلى أنّ للإمام حقّين : الطّاعة ، والنّصرة .
وقال ابن جماعة : إنّها عشرة حقوق : الطّاعة ، والنّصيحة ، والتّعظيم والاحترام ، والإيقاظ عند الغفلة والإرشاد عند الخطأ ، والتّحذير من كلّ عدوّ ، وإعلامه بسيرة عمّاله ، وإعانته ، وجمع القلوب على محبّته ، والنّصرة .
وهذه الحقوق لا تكون للإمام إلاّ إذا أطاع اللّه سبحانه ، ولزم فرائضه ، وحدوده ، وأدّى للأمّة حقوقها الواجبة عليه . وبرعاية الأمّة هذه الحقوق تصفو القلوب ، وتجتمع الكلمة ، ويتحقّق النّصر .
وأمّا فيما سوى ما تقدّم ، فإنّ الإمام واحد من النّاس ، يستوي معهم جميعاً في الحقوق والأحكام . بل يجب أن يكون أكثر النّاس خشيةً للّه تعالى . وأحسنهم قياماً بأداء فرائضه ، واتّباع أوامره ، لأنّه رأس الدّولة .
واجبات الإمام :
17 - حقوق الأمّة الّتي هي واجبات الإمام يمكن أن تجمع في عشرة :
أولاً : حفظ الدّين ، والحثّ على تطبيقه ، ونشر العلم الشّرعيّ ، وتعظيم أهله ، ومخالطتهم ومشاورتهم .
ثانياً : حراسة البلاد ، والدّفاع عنها ، وحفظ الأمن الدّاخليّ .
ثالثاً : النّظر في الخصومات ، وتنفيذ الأحكام .
رابعاً : إقامة العدل في جميع شئون الدّولة .
خامساً : تطبيق الحدود الشّرعيّة .
سادساً : إقامة فرض الجهاد .
سابعاً : عمارة البلاد ، وتسهيل سبل العيش ، ونشر الرّخاء .
ثامناً : جباية الأموال على ما أوجبه الشّرع من غير عنف ، وصرفها في الوجوه المشروعة، وعلى المستحقّين ، من غير سرف ، ولا تقتير .
تاسعاً : أن يولّي أعمال الدّولة الأمناء ، النّصحاء ، أهل الخبرة .
عاشراً : أن يهتمّ بنفسه بسياسة الأمّة ، ومصالحها ، وأن يراقب أمور الدّولة ، ويتصفّح أحوال القائمين عليها .
تعيين العمّال وفصلهم :
أ - تعيين العمّال :
18 - لا يستطيع الإمام أن يتولّى أمور الحكم كلّها بنفسه دون أن يعاونه في ذلك عمّال يعيّنهم . وكلّما اتّسعت أمور الحكم ، وتشعّبت زادت الحاجة إلى هؤلاء العمّال .
" وهذه القضيّة بيّنة في ضرورات العقول لا يستريب اللّبيب بها " .
وهذا « ما فعله الرّسول عليه الصلاة والسلام حين كان في المدينة . فقد ولّى على مكّة المكرّمة عتّاب بن أسيد رضي الله عنه ، وعلى الطّائف عثمان بن أبي العاص الثّقفيّ رضي الله عنه . وبعث عليّاً ومعاذاً وأبا موسى رضي الله عنهم إلى اليمن . وكان يؤمّر على السّرايا ، ويبعث جباة الزّكاة ويرسل السّفراء إلى الملوك والقبائل » .
وعلى هذا النّهج سار الخلفاء الرّاشدون ، ومن بعدهم .
وقد أقرّ الفقهاء بأنّ تعيين العمّال من واجبات الإمام .
ب - صفات العمّال :
19 - يجب على الإمام أن يولّي أهل الدّيانة ، والعفّة ، والعقل والأصالة ، والصّدق ، والأمانة ، والحزم ، والكفاية ، وتكون الكفاية بحسب طبيعة العمل .
وعليه أن يختار الأمثل ، فالأمثل ، لحديث : « مَنْ ولّى رجلاً على عصابة ، وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى للّه منه ، فقد خان اللّه ورسوله ، وجماعة المؤمنين » . وعليه أن يتجنّب التّعيين وفق هواه . ولا يكون اختيارهم إلاّ بعد امتحان ، وتجربة .
ج - ما يجب على الإمام نحو عمّاله :
20 - يجب على الإمام أن يأخذ جميع عمّاله بعدم الظّلم ، قلّ أو كثر ، وأن يعرّفهم أنّه لا فرق بينهم وبين سائر النّاس ، لأنّ العامل الظّالم أعدى عدوّ للدّولة .
وعليه أن ينظر في أمور عمّاله ، فإن وجد منهم من يستحقّ التّرقية رقّاه ، ولا يجوز له أن يجعل التّرقية قفزاً دون سبب .
وإن وجد منهم مسيئاً حاسبه ، وله أن يعفو عنه ، إلاّ إذا كان ما آتاه يوجب حدّاً ، أو تعدّى على حقّ من حقوق الرّعيّة ، فلا بدّ من العقاب .
وعليه أن يعزل كلّ من يخلّ بواجب العمل إذا لم يمكن تقويمه .
ولا يتأتّى له ذلك إلاّ بدوام مراقبة العاملين في الدّولة ، والوقوف على أمورهم وتصرّفاتهم ، وعلاقتهم مع النّاس ، والتزامهم بتنفيذ ما يأمر به من السّياسة .
ويعينه على هذه المهمّة جهاز دقيق يطلعه على جميع شئون الدّولة ، والأمّة .
د - ديوان الموظّفين :
21 - يجب أن يكون في الدّولة ديوان يخصّ العاملين في أجهزتها المختلفة .
وينظر مصطلح ( ديوان ) .
ثانياً : السّياسة الشّرعيّة في المال :
22 - يقصد بالأموال في هذا المجال : أموال المصالح العامّة الواردة إلى خزينة الدّولة . وهي تتألّف من أنواع ينظر بيانها وكيفيّة التّصرّف فيها في مصطلح ( بيت المال ) .
ثالثاً : السّياسة الشّرعيّة في الولايات :
ولاية الجيش :
23 - لمّا كان الجيش للجهاد والدّفاع عن البلاد ، لذلك وجب على الإمام العناية بترتيبه وإعداده ، وتنظيم قيادته ، وتفقّد أحواله ، وتعرّف أحوال العدوّ ، وإنّ تحقيق ذلك لا يتمّ إلاّ بتأمين الأموال اللّازمة لتسليحه ، وإدارته ، ودفع ما يستحقّه أفراده بشكل منظّم ، وملائم . وينظر التّفصيل في مصطلح ( جهاد ) .
النّظر في أمور القضاة :
24 - إنّ القضاء منصب جليل وخطير ، لأنّه يحقّق العدل في الأمّة ، وعلى العدل تقوم الدّولة الصّالحة ، وقد أحاطت الشّريعة هذا المنصب باحترام شديد ، ونظّمت أحكامه ، وقواعده ، وصفات من يتولّاه ، وأصول التّقاضي .
ويجب على الإمام أن يتفقّد أحوال القضاة ، ويتحرّى عن أخبارهم ، وعن سيرتهم في النّاس، وعن أحكامهم ، ويسأل الثّقات الصّالحين عن كلّ ذلك . وينظر مصطلح ( قضاء ) .
النّظر في ولاية الصّدقات :
25 - الزّكاة هي الرّكن الثّالث من أركان الإسلام ، وقد تكلّفت النّصوص الشّرعيّة ببيان محلّها ، ونصابها ، وجبايتها ، وأصول صرفها ، ومستحقّيها .
ولذلك فإنّ على رئيس الدّولة أن يولّي أمور الزّكاة المسلم ، العدل ، العالم بأحكامها ليكون قادراً على الاجتهاد في تطبيقها .
وقد تكون ولايته شاملةً جباية الزّكاة ، وقسمتها ، وقد تكون للجباية دون القسمة ، وقد تكون مطلقةً ، فله إن شاء أن يقسمها ، وله أن يترك القسمة . أمّا إن كان مكلّفاً بأخذ مال محدّد من أموال الزّكاة ، فلا يشترط فيه العلم بأحكامها ، لأنّه عندئذ يكون كالوكيل بالقبض .
وانظر التّفصيل في مصطلح ( زكاة ) .
السّياسة الشّرعيّة في شأن المخالفين من بغاة وغيرهم :
26 - قد تخرج فئة مسلّحة منظّمة . فإن كان خروجها على الدّين كانت مرتدّةً .
وإن كان خروجها على الإمام كانت فئةً باغيةً .
ولكلّ منهما في الفقه أحكام خاصّة انظر : ( ردّة ، بغاة ، حرابة ) .
رابعاً : السّياسة الشّرعيّة في العقوبة :
أ - العقوبة سياسة :
27 - تنقسم العقوبة إلى :
- عقوبات مقدّرة شرعاً . وهي الحدود ، والقصاص .
- وعقوبات غير مقدّرة . وهي التّعزير .
أمّا العقوبة سياسةً : فتكون عند اقتراف جريمة ، أو معصية ، وبهذا ترادف التّعزير : فقد صرّح الحنفيّة بأنّ النّبّاش لا يقام عليه حدّ السّرقة ، فإن اعتاد النّبش أمكن أن تقطع يده ، على سبيل السّياسة . ر : مصطلح ( سرقة ) .
كما صرّحوا بأنّه قد تزاد العقوبة سياسةً .. فإذا أقيم حدّ السّرقة ، مثلاً ، فقطعت يد السّارق، جاز حبسه حتّى يتوب .
كما صرّح الحنفيّة والمالكيّة : بأنّ للإمام حبس من كان معروفاً بارتكاب جرائم ضدّ الأشخاص ، أو الأموال ، ولو لم يقترف جريمةً جديدةً . ويستمرّ حبسه حتّى يتوب ، لأنّ عثمان بن عفّان سجن ضابئ بن الحارث وكان من لصوص بني تميم ، وفتّاكهم ، حتّى مات في السّجن .
وكذلك يفعل مع من عرف بالشّرّ والأذى وخيف أذاه لأنّ ذلك ممّا يصلح اللّه به العباد والبلاد . ( ر : عقوبة - تعزير ) .
ب - التّغريب سياسةً :
28 - ثبت « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عزّر المخنّثين ، وأمر بإخراجهم من المدينة المنوّرة ، ونفيهم » .
وجاء عن عمر أنّه كان ينفي شارب الخمر إلى خيبر زيادةً في عقوبته .
ونفى نصر بن حجّاج لمّا خاف فتنة نساء المدينة بجماله ، بعد أن قصّ شعره ، فرآه زاد جمالاً .
ولذلك جاز نفي أمثال هؤلاء إلى بلد يؤمن فساد أهله . فإن خاف به عليهم حبس .
وبهذا أخذ أحمد ، لأنّ هذا ليس من باب المعاقبة ، وإنّما من قبيل الخوف من الفاحشة قبل وقوعها . ( ر : تغريب ) .
وقد ورد « في السّنّة تغريب الزّاني غير المحصن بعد جلده في حديث زيد بن خالد » .
وهذا عند أكثر الفقهاء جزء من الحدّ ، وقال الحنفيّة : إنّه لا يغرّب حدّاً ، وأجازوا تغريبه سياسةً ،دون تحديده بسنة ، بل بقدر ما يراه الإمام إذا كانت هناك مصلحة عامّة توجب ذلك. وذهب الحنابلة إلى تحريم حبسه بعد الحدّ . فإن لم ينزجر جاز للإمام حبسه حتّى يتوب . وقيل : حتّى يموت .
ج - القتل سياسةً :
29 - يجيز بعض الفقهاء القتل على سبيل السّياسة في جرائم معيّنة .
وانظر تفصيل ذلك في مصطلح ( تعزير ) .
من له حقّ العقوبة سياسةً :
30 - للعلماء خلاف في تحديد من له حقّ فرض العقوبة سياسةً .. هل هو الإمام ، ونوّابه ، أم هو القاضي ؟ . وتفصيل ذلك في مصطلح ( عقوبة ، تعزير )
منبع:دائره المعارف فقهی کویت

