تبليغاتX
وبلاگ گروه الهیات و معارف اسلامی روانسر

سِياسة *

التّعريف :

1 - للسّياسة في اللّغة معنيان : الأوّل : فعل السّائس . وهو من يقوم على الدّوابّ ، ويروّضها . يقال : ساس الدّابّة يسوسها سياسةً .

الثّاني : القيام على الشّيء بما يصلحه . يقال : ساس الأمر سياسةً : إذا دبّره .

وساس الوالي الرّعيّة : أمرهم ، ونهاهم ، وتولّى قيادتهم .

وعلى ذلك فإنّ السّياسة في اللّغة تدلّ على التّدبير ، والإصلاح ، والتّربية .

وفي الاصطلاح تأتي لمعان : 

2 - منها : الأوّل : معنًى عامّ يتّصل بالدّولة ، والسّلطة . فيقال : هي استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطّريق المنجّي في العاجل والآجل ، وتدبير أمورهم .

وقال البجيرميّ : السّياسة : إصلاح أمور الرّعيّة ، وتدبير أمورهم . وقد أطلق العلماء على السّياسة اسم : " الأحكام السّلطانيّة " أو " السّياسة الشّرعيّة " ، أو " السّياسة المدنيّة " . ولمّا كانت السّياسة بهذا المعنى أساس الحكم ، لذلك سمّيت أفعال رؤساء الدّول ، وما يتّصل بالسّلطة " سياسة " وقيل : بأنّ الإمامة الكبرى - رئاسة الدّولة - موضوعة لخلافة النّبوّة في حراسة الدّين ، وسياسة الدّنيا .

وعلى ذلك فإنّ علم السّياسة : " هو العلم الّذي يعرف منه أنواع الرّياسات ، والسّياسات الاجتماعيّة والمدنيّة ، وأحوالها : من أحوال السّلاطين ، والملوك ، والأمراء ، وأهل الاحتساب ، والقضاء والعلماء ، وزعماء الأموال ، ووكلاء بيت المال ، ومن يجري مجراهم.

وموضوعه المراتب المدنيّة ، وأحكامها ، والسّياسة بهذا المعنى فرع من الحكمة العمليّة . ولعلّ أقدم نصّ وردت فيه كلمة " السّياسة " بالمعنى المتعلّق بالحكم ، وهو قول عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعريّ في وصف معاوية - رضي الله عنهم - : " إنّي وجدته وليّ الخليفة المظلوم ، والطّالب  بدمه ، الحسن السّياسة ، الحسن التّدبير " .

3 - المعنى الثّاني : يتّصل بالعقوبة ، وهو أنّ السّياسة : " فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها ، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئيّ " .

الألفاظ ذات الصّلة :

أ - التّعزير :

هو تأديب على ذنب لا حدّ فيه ، ولا كفّارة غالباً ، سواء أكان حقّاً للّه تعالى ، أم لآدميّ . ومن نظر إلى العقوبة قال : هو تأديب دون الحدّ .

أو قال : عقوبة غير مقدّرة حقّاً للّه تعالى أو للعبد .

ولذلك قال ابن القيّم : التّعزير لا يتقدّر بقدر معلوم . بل هو بحسب الجريمة في جنسها ، وصفتها ، وكبرها ، وصغرها .

وعنده أنّ التّعزير يمكن أن يزيد عن الحدّ .

وحجّته أنّ الحدّ في لسان الشّرع أعمّ منه في اصطلاح الفقهاء .

فالتّعزير أخصّ من السّياسة .

ب - المصلحة :

4 - المصلحة المحافظة على مقصود الشّرع . ومقصود الشّرع من الخلق خمسة :

وهو أن يحفظ عليهم دينهم ، ونفسهم ، وعقلهم ، ونسلهم ، ومالهم . فكلّ ما يتضمّن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة . وكلّ ما يفوّت هذه الأصول فهو مفسدة ،ودفعها مصلحة. أو بعبارة أخرى : هي المحافظة على مقصود الشّرع بدفع المفاسد عن الخلق فالمصلحة هي الغرض من السّياسة . 

 الحكم التّكليفيّ :

5 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّ للسّلطان سلوك السّياسة في تدبير أمور النّاس وتقويم العوج ،وفق معايير وضوابط يأتي بيانها ، ولا تقف السّياسة على ما نطق به الشّرع. قال الحنفيّة : السّياسة داخلة تحت قواعد الشّرع ، وإن لم ينصّ عليها بخصوصها ، فإنّ مدار الشّريعة - بعد قواعد الإيمان - على حسم موادّ الفساد لبقاء العالم .

وقال القرافيّ من المالكيّة : إنّ التّوسعة على الحكّام في الأحكام السّياسيّة ليس مخالفًا للشّرع، بل تشهد له الأدلّة ، وتشهد له القواعد ، ومن أهمّها كثرة الفساد ، وانتشاره ، والمصلحة المرسلة الّتي قال بها مالك ، وجمع من العلماء .

وقال أبو الوفاء بن عقيل من الحنابلة : للسّلطان سلوك السّياسة ، وهو الحزم عندنا ، ولا يخلو من القول فيه إمام . ولا تقف السّياسة على ما نطق به الشّرع . إذ الخلفاء الرّاشدون - رضي الله عنهم - قد قتلوا ، ومثّلوا ، وحرقوا المصاحف . ونفى عمر ، نصر بن حجّاج ، خوف فتنة النّساء . واعتبروا ذلك من المصالح المرسلة .

وقد حذّر ابن القيّم من إفراط مَنْ منع الأخذ بالسّياسة ، مكتفياً بما جاءت به النّصوص ، وتفريط من ظنّ أنّ الأخذ بها يبيح لوليّ الأمر فرض ما يراه من عقوبة على هواه ..

ثمّ قال : وكلا الطّائفتين أُتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث اللّه به رسوله ، وأنزل به كتابه . فإنّ اللّه سبحانه أرسل رسله ، وأنزل كتبه ليقوم النّاس بالقسط ، وهو العدل الّذي قامت به الأرض والسّموات . فإن ظهرت أمارات العدل ، وأسفر وجهه بأيّ طريق كان ، فثمّ شرع اللّه ودينه ، فأيّ طريق استخرج بها العدل ، والقسط ، فهي من الدّين . 

وأمّا الشّافعيّة فقد ذهبوا إلى أنّ السّياسة يجب أن تكون في حدود الشّريعة ، لا تتعدّاها . حتّى قالوا : لا سياسة إلاّ ما وافق الشّرع . وبذلك كانوا أبعد النّاس عن الأخذ بالسّياسة بالمعنى المراد عند الجمهور وهو عدم الاقتصار على ما وردت به نصوص بخصوصه .

أقسام السّياسة :

6 - تقسم السّياسة إلى قسمين : سياسة ظالمة ، تحرّمها الشّريعة .

وسياسة عادلة تظهر الحقّ ، وتدفع المظالم ، وتردع أهل الفساد ، وتوصّل إلى المقاصد الشّرعيّة ، وهي الّتي توجب الشّريعة اعتمادها ، والسّير عليها .

والسّياسة العادلة من الشّريعة ، علمها من علمها ، وجهلها من جهلها ، وما يسمّيه أكثر السّلاطين الّذين يعملون بأهوائهم ، وآرائهم - لا بالعلم - سياسةً فليس بشيء .

وقد كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الرّاشدون يسوسون النّاس في دينهم ، ودنياهم، فكان الحكم والسّياسة شيئاً واحداً . ثمّ لمّا اتّسعت الدّولة ظهر الفصل بين الشّرع ، والسّياسة لأنّ أهل السّلطة صاروا يحكمون بالأهواء من غير اعتصام بالكتاب والسّنّة .

قال ابن القيّم : تقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة ، كتقسيم غيرهم الدّين إلى شريعة وحقيقة ، وكتقسيم آخرين الدّين إلى عقل ونقل .. وكلّ ذلك تقسيم باطل . بل السّياسة، والحقيقة ، والطّريقة ، والعقل ، كلّ ذلك ينقسم إلى قسمين : صحيح ، وفاسد . فالصّحيح قسم من أقسام الشّريعة لا قسيم لها ، والباطل ضدّها ، ومنافيها ، وهذا الأصل من أهمّ الأصول ، وأنفعها . وهو مبنيّ على حرف واحد ، وهو عموم رسالته صلى الله عليه وسلم بالنّسبة إلى كلّ ما يحتاج إليه العباد في معارفهم ، وعلومهم وأعمالهم ، وأنّه لم يحوج أمّته إلى أحد بعده ، وإنّما حاجتهم إلى من يبلّغهم عنه ما جاء به .

حسن سياسة الإمام للرّعيّة :

7 - إنّ للسّياسة أثراً كبيراً في الأمّة ، فحسن السّياسة ينشر الأمن ، والأمان في أنحاء البلاد .وعندئذ ينطلق النّاس في مصالحهم وأموالهم مطمئنّين ، فتنمو الثّروة ، ويعمّ الرّخاء، ويقوى أمر الدّين .

ولا يمكن أن يتحقّق ذلك إلاّ إذا كانت للإمام سياسة حازمة ، تهتمّ بكلّ أمور الأمّة ، صغيرها وكبيرها ، وترغّب النّاس بفعل الخيرات ، وتثيب على الفعل الجميل ، كما تحذّر من الشّرّ ، والفساد ، وتعاقب عليه ، وتقطع دابر دعاته ومقترفيه وبغير هذه السّياسة تضعف الدّولة ، وتنهار وتخرب البلاد .

والسّياسة الحازمة المحقّقة لخير الأمّة هي الّتي يكون فيها الإمام بين اللّين والعنف ، ويقدّم اللّين على الشّدّة ، والدّعوة الحسنة على العقوبة .

وعليه أن يهتمّ بإصلاح دين النّاس ، لأنّ في ذلك صلاح الدّين والدّنيا .

وأعظم عون على ذلك ثلاثة أمور :

الأوّل : الإخلاص للّه تعالى ، والتّوكّل عليه .

والثّاني : الإحسان إلى الخلق بالنّفع والمال .

والثّالث : الصّبر على أذى الخلق ، وعند الشّدائد .

قواعد السّياسة :

أسس السّياسة الشّرعيّة العامّة : هي تلك القواعد الأساسيّة الّتي تبنى عليها دولة الإسلام ، ويستلهم منها النّهج السّياسيّ للحكم .

الأساس الأوّل : سيادة الشّريعة :

8 - يؤكّد القرآن الكريم هذه السّيادة في أكثر من موضع . من ذلك قوله تعالى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً } .

وقوله تعالى : {  ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ } .

قال ابن جرير : ألا له الحكم والقضاء دون سواه من جميع خلقه ، وذلك حقّ في الدّنيا والآخرة ، لأنّ مبنى الحساب في الآخرة إنّما يقوم على عمل النّاس في الدّنيا . ولا يحاسب النّاس على ما اجترحوا في الدّنيا إلاّ على أساس هذه الشّريعة الّتي جاءت أحكامها منظّمةً للحياة الاجتماعيّة والسّياسيّة ، والاقتصاديّة ، وأمور المعاملات الأخرى .

9- وما دامت الحاكميّة في هذا العالم لشريعة اللّه تعالى في كلّ شؤون الحياة ، وإلى آخر الزّمان ، فإنّ الكثير من الآيات جاءت آمرةً بتطبيق أحكامها ، واتّباع ما أمرت به ، وترك ما نهت عنه . من ذلك قول اللّه تعالى : { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } .

قال ابن جرير : فاتّبع تلك الشّريعة الّتي جعلناها لك ، ولا تتّبع ما دعاك إليه الجاهلون باللّه الّذين لا يعرفون الحقّ من الباطل ، فتعمل به ، فتهلك إن عملت به ، وهو قول ابن عبّاس وقتادة وابن زيد .

وقال الزّمخشريّ : فاتّبع شريعتك الثّابتة بالدّلائل والحجج ، ولا تتّبع ما لا حجّة عليه من أهواء الجهّال ودينهم المبنيّ على هوًى وبدعة . ومن ذلك قوله تعالى : { اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } .

قال القرطبيّ : قوله تعالى : { اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ } يعني الكتاب والسّنّة . قال تعالى : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا } ، وقالت فرقة : هذا أمر يعمّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأمّته . والظّاهر أنّه أمر لجميع النّاس دونه . أي : اتّبعوا ملّة الإسلام والقرآن ، وأحلّوا حلاله وحرّموا حرامه ، وامتثلوا أمره ، واجتنبوا نهيه . ودلّت الآية على ترك اتّباع الآراء مع وجود النّصّ .

10 - وممّا يؤكّد أنّ الأمر باتّباع ما أنزل اللّه تعالى لا يخصّ القرآن فحسب ، بل يعمّ السّنّة أيضاً ، ما جاء في عدد من الآيات من الأمر باتّباعها وتطبيقها . من ذلك قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } .

حقّ الإمام في وضع الأنظمة المستنبطة من الشّريعة :

11 - تقرير مبدأ سيادة الشّريعة لا يعني حرمان الإمام ، ومن دونه أهل الحكم والسّلطة من حقّ اتّخاذ القرارات ، والأنظمة الّتي لا بدّ منها لسير أمور الدّولة .

ذلك لأنّ نصوص الشّريعة محدودة ، ومتناهية ، وأمّا الحوادث ، وتطوّر الحياة ، والمسائل الّتي تواجه الأمّة والدّولة معاً ، فغير محدودة ، ولا متناهية . ولا بدّ للإمام ، وأهل الحكم من مواجهة كلّ ذلك بما يرونه من أنظمة ، ولكن هذا الحقّ ليس مطلقاً ، وإنّما هو مقيّد بما لا يخالف النّصوص الشّرعيّة ، ولا يخرج على مبادئ الإسلام ، وقواعده العامّة ، وأن يكون ذلك لمصلحة الأمّة الواجبة الرّعاية ، والّتي لأجلها قامت الدّولة ، ولا يكون ذلك إلاّ بعد الرّجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص من الفقهاء وغيرهم .

الأساس الثّاني : الشّورى :

12 - الحكم أمانة ، والإمام ، ومن يتولّى السّلطة مسئولون عن تلك الأمانة . لذلك كان من صفاتهم أنّهم لا يستبدّون برأي ، ولا يغفلون عن الاستفادة من عقول الرّجال لقوله تعالى :

{ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } .

وعليه ، فإنّ من المقرّر فقهًا أنّ على الإمام مشاورة العلماء العاملين النّاصحين للدّولة وللأمّة ، وأن يعتمد عليهم في أحكامه ، كي يدوم حكمه ، ويقوم على أساس صحيح .

وينظر مصطلح ( شورى ) .

الأساس الثّالث : العدل :

13 - العدل هو الصّفة الجامعة للرّسالة السّماويّة الّتي جاء الرّسل عليهم الصلاة والسلام لتحقيقها ، وإرشاد النّاس إليها ، وحملهم عليها . ففي القرآن الكريم :

{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } .

وقوله تعالى : { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ } الآية . 

فالعدل أمر فرض اللّه سبحانه على المسلمين السّعي لإقامته في الأرض ، وليكون من أبرز خصائصهم بين الأمم ، لأنّ دينهم دين العدل . حتّى قال عمر - رضي الله عنه - بأنّه " لا رخصة فيه في قريب ، ولا بعيد ، ولا في شدّة ، ولا رخاء " وقال ابن تيميّة بوجوبه على كلّ أحد ، وفي كلّ شيء . وتفصيل ذلك في مصطلح ( عدل ) .

مصدر السّلطات :

14 - نصب الإمام واجب شرعاً ويتعيّن الإمام بالبيعة من أهل الحلّ والعقد ، والإمام مكلّف بأحكام الشّريعة ، وملزم بالحلال ، والحرام ، ومسئول عن ذلك كأيّ مسلم في الأمّة ، وهو فوق ذلك مسئول عن تطبيق تلك الأحكام في كلّ شأن من شئون الدّولة ، لأنّه بمنصبه أقوى رجل في الأمّة ووجبت عليها طاعته .

وانظر مصطلح : ( طاعة ، الإمامة الكبرى ، بيعة . ) .

أنواع السّياسة الشّرعيّة :

أوّلاً : السّياسة الشّرعيّة في الحكم :

الإمامة :

15 - من الثّابت أنّ الإسلام دين ودولة ، لأنّ القرآن الكريم هو كتاب عقيدة ، كما هو كتاب أحكام ، وقواعد تنظّم صلة الإنسان بالإنسان ، والإنسان بالمجتمع ، والمجتمع المسلم بغير المسلم في حالة السّلم ، والحرب .

وهو إلى جانب ذلك يحوي كلّ أنواع الحقوق ، وفروعها . فالحقوق المدنيّة إلى جانب الحقوق الجزائيّة ، والاقتصاديّة ، والماليّة ، والتّجاريّة ، والدّوليّة بفرعيها العامّة والخاصّة.

ولم تكن هذه الحقوق مواعظ متروكةً لرغبة الإنسان ، وإنّما هي أحكام آمرة ، واجبة التّنفيذ، وهذا لا يكون إلاّ بقيام الدّولة .

وهذه الدّولة لا بدّ لها من إمام " رئيس " يتولّى أمورها ، كما يسهر على مصلحة الأمّة وقد أرشد القرآن الكريم إلى ذلك بهذه الآية المجيدة : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً .. } . 

قال القرطبيّ : هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع ، لتجتمع به الكلمة ، وتنفّذ به أحكام الخليقة .

وفي السّنّة أنّ رسول اللّه عليه الصلاة والسلام قال : « لا يحلّ لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلاّ أمّروا عليهم أحدهم » . وقال : « إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمّروا أحدهم » .

قال الشّوكانيّ : وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض ، أو يسافرون ، فشرعيّته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ، ويحتاجون لدفع التّظالم ، وفصل التّخاصم ، أولى وأحرى . وفي ذلك دليل لقول من قال : إنّه يجب على المسلمين نصب الأئمّة ، والولاة ، والحكّام . ولمّا كان صلاح البلاد ، وأمن العباد ، وقطع موادّ الفساد ، وإنصاف المظلومين من الظّالمين لا يتمّ إلاّ بسلطان قاهر ، قادر لذلك وجب نصب إمام يقوم بحراسة الدّين ، وسياسة أمور الأمّة ، وهو فرض بالإجماع .

وأمّا صفات هذا الإمام وشروطه وما تنعقد به إمامته فتنظر في ( الإمامة الكبرى ، وبيعة ) .

حقوق الإمام :

16 - ذهب الماورديّ ، وأبو يعلى إلى أنّ  للإمام حقّين : الطّاعة ، والنّصرة .

وقال ابن جماعة : إنّها عشرة حقوق : الطّاعة ، والنّصيحة ، والتّعظيم والاحترام ، والإيقاظ عند الغفلة والإرشاد عند الخطأ ، والتّحذير من كلّ عدوّ ، وإعلامه بسيرة عمّاله ، وإعانته ، وجمع القلوب على محبّته ، والنّصرة .

وهذه الحقوق لا تكون للإمام إلاّ إذا أطاع اللّه سبحانه ، ولزم فرائضه ، وحدوده ، وأدّى للأمّة حقوقها الواجبة عليه . وبرعاية الأمّة هذه الحقوق تصفو القلوب ، وتجتمع الكلمة ، ويتحقّق النّصر .

وأمّا فيما سوى ما تقدّم ، فإنّ الإمام واحد من النّاس ، يستوي معهم جميعاً في الحقوق والأحكام . بل يجب أن يكون أكثر النّاس خشيةً للّه تعالى . وأحسنهم قياماً بأداء فرائضه ، واتّباع أوامره ، لأنّه رأس الدّولة .

واجبات الإمام :

17 - حقوق الأمّة الّتي هي واجبات الإمام يمكن أن تجمع في عشرة :

أولاً : حفظ الدّين ، والحثّ على تطبيقه ، ونشر العلم الشّرعيّ ، وتعظيم أهله ، ومخالطتهم ومشاورتهم .

ثانياً : حراسة البلاد ، والدّفاع عنها ، وحفظ الأمن الدّاخليّ .

ثالثاً : النّظر في الخصومات ، وتنفيذ الأحكام .

رابعاً : إقامة العدل في جميع شئون الدّولة .

خامساً : تطبيق الحدود الشّرعيّة .

سادساً : إقامة فرض الجهاد .

سابعاً : عمارة البلاد ، وتسهيل سبل العيش ، ونشر الرّخاء .

ثامناً : جباية الأموال على ما أوجبه الشّرع من غير عنف ، وصرفها في الوجوه المشروعة، وعلى المستحقّين ، من غير سرف ، ولا تقتير .

تاسعاً : أن يولّي أعمال الدّولة الأمناء ، النّصحاء ، أهل الخبرة .

عاشراً : أن يهتمّ بنفسه بسياسة الأمّة ، ومصالحها ، وأن يراقب أمور الدّولة ، ويتصفّح أحوال القائمين عليها .

تعيين العمّال وفصلهم :

أ - تعيين العمّال :

18 - لا يستطيع الإمام أن يتولّى أمور الحكم كلّها بنفسه دون أن يعاونه في ذلك عمّال يعيّنهم . وكلّما اتّسعت أمور الحكم ، وتشعّبت زادت الحاجة إلى هؤلاء العمّال .

" وهذه القضيّة بيّنة في ضرورات العقول لا يستريب اللّبيب بها " .

وهذا « ما فعله الرّسول عليه الصلاة والسلام حين كان في المدينة . فقد ولّى على مكّة المكرّمة عتّاب بن أسيد رضي الله عنه ، وعلى الطّائف عثمان بن أبي العاص الثّقفيّ رضي الله عنه . وبعث عليّاً ومعاذاً وأبا موسى رضي الله عنهم إلى اليمن . وكان يؤمّر على السّرايا ، ويبعث جباة الزّكاة ويرسل السّفراء إلى الملوك والقبائل » .

وعلى هذا النّهج سار الخلفاء الرّاشدون ، ومن بعدهم .

وقد أقرّ الفقهاء بأنّ تعيين العمّال من واجبات الإمام .

ب - صفات العمّال :

19 - يجب على الإمام أن يولّي أهل الدّيانة ، والعفّة ، والعقل والأصالة ، والصّدق ، والأمانة ، والحزم ، والكفاية ، وتكون الكفاية بحسب طبيعة العمل . 

وعليه أن يختار الأمثل ، فالأمثل ، لحديث : « مَنْ ولّى رجلاً على عصابة ، وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى للّه منه ، فقد خان اللّه ورسوله ، وجماعة المؤمنين » . وعليه أن يتجنّب التّعيين وفق هواه . ولا يكون اختيارهم إلاّ بعد امتحان ، وتجربة .

ج - ما يجب على الإمام نحو عمّاله :

20 - يجب على الإمام أن يأخذ جميع عمّاله بعدم الظّلم ، قلّ أو كثر ، وأن يعرّفهم أنّه لا فرق بينهم وبين سائر النّاس ، لأنّ العامل الظّالم أعدى عدوّ للدّولة .

وعليه أن ينظر في أمور عمّاله ، فإن وجد منهم من يستحقّ التّرقية رقّاه ، ولا يجوز له أن يجعل التّرقية قفزاً دون سبب .

وإن وجد منهم مسيئاً حاسبه ، وله أن يعفو عنه ، إلاّ إذا كان ما آتاه يوجب حدّاً ، أو تعدّى على حقّ من حقوق الرّعيّة ، فلا بدّ من العقاب .

وعليه أن يعزل كلّ من يخلّ بواجب العمل إذا لم يمكن تقويمه .

ولا يتأتّى له ذلك إلاّ بدوام مراقبة العاملين في الدّولة ، والوقوف على أمورهم وتصرّفاتهم ، وعلاقتهم مع النّاس ، والتزامهم بتنفيذ ما يأمر به من السّياسة .

ويعينه على هذه المهمّة جهاز دقيق يطلعه على جميع شئون الدّولة ، والأمّة .

د - ديوان الموظّفين :

21 - يجب أن يكون في الدّولة ديوان يخصّ العاملين في أجهزتها المختلفة .

وينظر مصطلح ( ديوان ) .

ثانياً : السّياسة الشّرعيّة في المال :

22 - يقصد بالأموال في هذا المجال : أموال المصالح العامّة الواردة إلى خزينة الدّولة .  وهي تتألّف من أنواع ينظر بيانها وكيفيّة التّصرّف فيها في مصطلح ( بيت المال ) .

ثالثاً : السّياسة الشّرعيّة في الولايات :

ولاية الجيش :

23 - لمّا كان الجيش للجهاد والدّفاع عن البلاد ، لذلك وجب على الإمام العناية بترتيبه وإعداده ، وتنظيم قيادته ، وتفقّد أحواله ، وتعرّف أحوال العدوّ ، وإنّ تحقيق ذلك لا يتمّ إلاّ بتأمين الأموال اللّازمة لتسليحه ، وإدارته ، ودفع ما يستحقّه أفراده بشكل منظّم ، وملائم . وينظر التّفصيل في مصطلح ( جهاد ) .

النّظر في أمور القضاة :

24 - إنّ القضاء منصب جليل وخطير ، لأنّه يحقّق العدل في الأمّة ، وعلى العدل تقوم الدّولة الصّالحة ، وقد أحاطت الشّريعة هذا المنصب باحترام شديد ، ونظّمت أحكامه ، وقواعده ، وصفات من يتولّاه ، وأصول التّقاضي .

ويجب على الإمام أن يتفقّد أحوال القضاة ، ويتحرّى عن أخبارهم ، وعن سيرتهم في النّاس، وعن أحكامهم ، ويسأل الثّقات الصّالحين عن كلّ ذلك . وينظر مصطلح ( قضاء ) .

النّظر في ولاية الصّدقات :

25 - الزّكاة هي الرّكن الثّالث من أركان الإسلام ، وقد تكلّفت النّصوص الشّرعيّة ببيان محلّها ، ونصابها ، وجبايتها ، وأصول صرفها ، ومستحقّيها .

ولذلك فإنّ على رئيس الدّولة أن يولّي أمور الزّكاة المسلم ، العدل ، العالم بأحكامها ليكون قادراً على الاجتهاد في تطبيقها .

وقد تكون ولايته شاملةً جباية الزّكاة ، وقسمتها ، وقد تكون للجباية دون القسمة ، وقد تكون مطلقةً ، فله إن شاء أن يقسمها ، وله أن  يترك القسمة . أمّا إن كان مكلّفاً بأخذ مال محدّد من أموال الزّكاة ، فلا يشترط فيه العلم بأحكامها ، لأنّه عندئذ يكون كالوكيل بالقبض .

وانظر التّفصيل في مصطلح ( زكاة ) .

السّياسة الشّرعيّة في شأن المخالفين من بغاة وغيرهم :

26 - قد تخرج فئة مسلّحة منظّمة . فإن كان خروجها على الدّين كانت مرتدّةً .

وإن كان خروجها على الإمام كانت فئةً باغيةً .

ولكلّ منهما في الفقه أحكام خاصّة انظر : ( ردّة ، بغاة ، حرابة ) .

رابعاً : السّياسة الشّرعيّة في العقوبة :

أ - العقوبة سياسة :

27 - تنقسم العقوبة إلى :

- عقوبات مقدّرة شرعاً . وهي الحدود ، والقصاص .

- وعقوبات غير مقدّرة . وهي التّعزير .

أمّا العقوبة سياسةً : فتكون عند اقتراف جريمة ، أو معصية ، وبهذا ترادف التّعزير : فقد صرّح الحنفيّة بأنّ النّبّاش لا يقام عليه حدّ السّرقة ، فإن اعتاد النّبش أمكن أن تقطع يده ، على سبيل السّياسة . ر : مصطلح ( سرقة ) .

كما صرّحوا بأنّه قد تزاد العقوبة سياسةً .. فإذا أقيم حدّ السّرقة ، مثلاً ، فقطعت يد السّارق، جاز حبسه حتّى يتوب .

كما صرّح الحنفيّة والمالكيّة : بأنّ للإمام حبس من كان معروفاً بارتكاب جرائم ضدّ الأشخاص ، أو الأموال ، ولو لم يقترف جريمةً جديدةً . ويستمرّ حبسه حتّى يتوب ، لأنّ عثمان بن عفّان سجن ضابئ بن الحارث وكان من لصوص بني تميم ، وفتّاكهم ، حتّى مات في السّجن .

وكذلك يفعل مع من عرف بالشّرّ والأذى  وخيف أذاه لأنّ ذلك ممّا يصلح اللّه به العباد والبلاد . ( ر : عقوبة - تعزير ) .

ب - التّغريب سياسةً :

28 - ثبت « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عزّر المخنّثين ، وأمر بإخراجهم من المدينة المنوّرة ، ونفيهم » .

وجاء عن عمر أنّه كان ينفي شارب الخمر إلى خيبر زيادةً في عقوبته .

ونفى نصر بن حجّاج لمّا خاف فتنة نساء المدينة بجماله ، بعد أن قصّ شعره ، فرآه زاد جمالاً .

ولذلك جاز نفي أمثال هؤلاء إلى بلد يؤمن فساد أهله . فإن خاف به عليهم حبس .

وبهذا أخذ أحمد ، لأنّ هذا ليس من باب المعاقبة ، وإنّما من قبيل الخوف من الفاحشة قبل وقوعها . ( ر : تغريب ) .

وقد ورد « في السّنّة تغريب الزّاني غير المحصن بعد جلده في حديث زيد بن خالد » .

وهذا عند أكثر الفقهاء جزء من الحدّ ، وقال الحنفيّة : إنّه لا يغرّب حدّاً ، وأجازوا تغريبه سياسةً ،دون تحديده بسنة ، بل بقدر ما يراه الإمام إذا كانت هناك مصلحة عامّة توجب ذلك. وذهب الحنابلة إلى تحريم حبسه بعد الحدّ . فإن لم ينزجر جاز للإمام حبسه حتّى يتوب . وقيل : حتّى يموت .

ج - القتل سياسةً :

29 - يجيز بعض الفقهاء القتل على سبيل  السّياسة في جرائم معيّنة .

وانظر تفصيل ذلك في مصطلح ( تعزير ) .

من له حقّ العقوبة سياسةً :

30 - للعلماء خلاف في تحديد من له حقّ فرض العقوبة سياسةً .. هل هو الإمام ، ونوّابه ، أم هو القاضي ؟ . وتفصيل ذلك في مصطلح ( عقوبة ، تعزير )

منبع:دائره المعارف فقهی کویت

نوشته شده توسط سرگروه الهیات در دوشنبه ششم خرداد 1387 ساعت 18:36 | لینک ثابت |

بدعة *

التّعريف :

1 - البدعة لغةً : من بدع الشّيء يبدعه بدعاً ، وابتدعه : إذا أنشأه وبدأه .

والبدع : الشّيء الّذي يكون أوّلاً ، ومنه قوله تعالى : { قُلْ : ما كنتُ بِدْعاً من الرُّسُلِ } أي لست بأوّل رسولٍ بعث إلى النّاس ، بل قد جاءت الرّسل من قبل ، فما أنا بالأمر الّذي لا نظير له حتّى تستنكروني .

والبدعة : الحدث ، وما ابتدع في الدّين بعد الإكمال . وفي لسان العرب : المبتدع الّذي يأتي أمراً على شبهٍ لم يكن ، بل ابتدأه هو . وأبدع وابتدع وتبدّع : أتى ببدعةٍ ، ومنه قوله تعالى : { وَرَهْبَانِيّةً ابْتَدَعوها ما كَتَبْنَاها عليهم إلاّ ابْتِغَاءَ رِضْوانِ اللّه } وبدّعه : نسبه إلى البدعة ، والبديع : المحدث العجيب ، وأبدعت الشّيء : اخترعته لا على مثالٍ ، والبديع من أسماء اللّه تعالى ، ومعناه : المبدع ، لإبداعه الأشياء وإحداثه إيّاها .

أمّا في الاصطلاح ، فقد تعدّدت تعريفات البدعة وتنوّعت ، لاختلاف أنظار العلماء في مفهومها ومدلولها .

فمنهم من وسّع مدلولها ، حتّى أطلقها على كلّ مستحدثٍ من الأشياء ، ومنهم من ضيّق ما تدلّ عليه ، فتقلّص بذلك ما يندرج تحتها من الأحكام . وسنوجز هذا في اتّجاهين .

الاتّجاه الأوّل :

2 - أطلق أصحاب الاتّجاه الأوّل البدعة على كلّ حادثٍ لم يوجد في الكتاب والسّنّة ، سواء أكان في العبادات أم العادات ، وسواء أكان مذموماً أم غير مذمومٍ .

ومن القائلين بهذا الإمام الشّافعيّ ، ومن أتباعه العزّ بن عبد السّلام ، والنّوويّ ، وأبو شامة . ومن المالكيّة : القرافيّ ، والزّرقانيّ . ومن الحنفيّة : ابن عابدين . ومن الحنابلة : ابن الجوزيّ . ومن الظّاهريّة : ابن حزمٍ . ويتمثّل هذا الاتّجاه في تعريف العزّ بن عبد السّلام للبدعة وهو : أنّها فعلُ ما لم يُعْهد في عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وهي منقسمة إلى بدعةٍ واجبةٍ ، وبدعةٍ محرّمةٍ ، وبدعةٍ مندوبةٍ ، وبدعةٍ مكروهةٍ ، وبدعةٍ  مباحةٍ . وضربوا لذلك أمثلةً :

فالبدعة الواجبة : كالاشتغال بعلم النّحو الّذي يفهم به كلام اللّه ورسوله ، وذلك واجب ، لأنّه لا بدّ منه لحفظ الشّريعة ، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب .

والبدعة المحرّمة من أمثلتها : مذهب القدريّة ، والجبريّة ، والمرجئة ، والخوارج .

والبدعة المندوبة : مثل إحداث المدارس ، وبناء القناطر ، ومنها صلاة التّراويح جماعةً في المسجد بإمامٍ واحدٍ .

والبدعة المكروهة : مثل زخرفة المساجد ، وتزويق المصاحف .

والبدعة المباحة : مثل المصافحة عقب الصّلوات ، ومنها التّوسّع في اللّذيذ من المآكل والمشارب والملابس . واستدلّوا لرأيهم في تقسيم البدعة إلى الأحكام الخمسة بأدلّةٍ منها :

 أ - قول عمر رضي الله عنه في صلاة التّراويح جماعةً في المسجد في رمضان" نِعْمَتِ البدعةُ هذه ". فقد روي عن عبد الرّحمن بن عبد القاريّ أنّه قال :" خرجت مع عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ليلةً في رمضان إلى المسجد ، فإذا النّاس أوزاعٌ متفرّقون ، يصلّي الرّجل لنفسه ، ويصلّي الرّجل فيصلّي بصلاته الرّهْطُ . فقال عمر : إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئٍ واحدٍ لكان أمثل ، ثمّ عزم ، فجمعهم على أبيّ بن كعبٍ ، ثمّ خرجت معه ليلةً أخرى ، والنّاس يصلّون بصلاة قارئهم ، قال عمر : نعم البدعة هذه ، والّتي ينامون عنها أفضل من الّتي يقومون . يريد آخر اللّيل . وكان النّاس يقومون أوّله ".

 ب - تسمية ابن عمر صلاة الضّحى جماعةً في المسجد بدعةً ، وهي من الأمور الحسنة . روي عن مجاهدٍ قال :" دخلت أنا وعروة بن الزّبير المسجد ، فإذا عبد اللّه بن عمر جالس إلى حجرة عائشة ، وإذا ناس يصلّون في المسجد صلاة الضّحى ، فسألناه عن صلاتهم ، فقال : بدعة ".

 ج - الأحاديث الّتي تفيد انقسام البدعة إلى الحسنة والسّيّئة ، ومنها ما روي مرفوعاً : « من سنَّ سُنَّةً حَسَنةً ، فله أجرُها وأجرُ من عمل بها  إلى يوم القيامة ، ومن سنَّ سُنّةً سيّئةً ، فعليه وِزْرُها ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يوم القيامة » .

الاتّجاه الثّاني :

3 - اتّجه فريق من العلماء إلى ذمّ البدعة ، وقرّروا أنّ البدعة كلّها ضلالة ، سواء في العادات أو العبادات . ومن القائلين بهذا الإمام مالك والشّاطبيّ والطّرطوشيّ . ومن الحنفيّة : الإمام الشّمنّيّ ، والعينيّ . ومن الشّافعيّة : البيهقيّ ، وابن حجرٍ العسقلانيّ ، وابن حجرٍ الهيتميّ . ومن الحنابلة : ابن رجبٍ ، وابن تيميّة .

وأوضح تعريفٍ يمثّل هذا الاتّجاه هو تعريف الشّاطبيّ ، حيث عرّف البدعة بتعريفين :

الأوّل أنّها : طريقة في الدّين مخترعة ، تضاهي الشّرعيّة ، يقصد بالسّلوك عليها المبالغة في التّعبّد للّه سبحانه . وهذا التّعريف لم يدخل العادات في البدعة ، بل خصّها بالعبادات ، بخلاف الاختراع في أمور الدّنيا .

الثّاني أنّها : طريقة في الدّين مخترعة تضاهي الشّريعة يقصد بالسّلوك عليها ما يقصد بالطّريقة الشّرعيّة . وبهذا التّعريف تدخل العادات في البدع إذا ضاهت الطّريقة الشّرعيّة ، كالنّاذر للصّيام قائماً لا يقعد متعرّضاً للشّمس لا يستظلّ ، والاقتصار في المأكل والملبس على صنفٍ دون صنفٍ من غير علّةٍ . واستدلّ القائلون بذمّ البدعة مطلقاً بأدلّةٍ منها :

 أ - أخبر اللّه أنّ الشّريعة قد كملت قبل وفاة الرّسول صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه :

{ اليومَ أَكْملتُ لكم دينَكم وأَتممتُ عليكم نِعْمتي ورضيتُ لكم الِإسلامَ دِيناً } فلا يتصوّر أن يجيء إنسان ويخترع فيها شيئاً ، لأنّ الزّيادة عليها تعتبر استدراكاً على اللّه سبحانه وتعالى . وتوحي بأنّ الشّريعة ناقصة ، وهذا يخالف ما جاء في كتاب اللّه .

 ب - وردت آيات قرآنيّة تذمّ المبتدعة في الجملة ، من ذلك قوله تعالى : { وأَنَّ هذا  صراطي مستقيماً فاتَّبِعوه ولا تَتَّبِعُوا السُّبلَ فَتَفَرَّقَ بكم عن سبيلِهِ } .

 ج - كلّ ما ورد من أحاديث عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في البدعة جاء بذمّها ، من ذلك حديث العرباض بن سارية : « وَعَظَنَا رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغةً ، ذَرَفتْ منها العيونُ ، وَوَجلَتْ منها القلوبُ . فقال قائل : يا رسولَ اللّه كأنّها موعظةُ مودِّعٍ فما تَعْهَد إلينا . فقال : أوصيكم بتقوى اللّه والسّمعِ والطّاعةِ لولاة الأمرِ ، وإن كان عبداً حبشيّاً ، فإنّه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين ، تمسّكوا بها ، وعضّوا عليها بالنّواجذ ، وإيّاكم ومُحْدَثاتِ الأمورِ . فإنَّ كلّ مُحْدَثَةٍ بِدعةٌ ، وكلّ بدعةٍ ضلالة » .

( د ) أقوال الصّحابة في ذلك ، من هذا ما روي عن مجاهدٍ قال :" دخلت مع عبد اللّه بن عمر مسجداً ، وقد أذّن فيه ، ونحن نريد أن نصلّي فيه ، فثوّب المؤذّن ، فخرج عبد اللّه بن عمر من المسجد ، وقال : " اخرج بنا من عند هذا المبتدع " ولم يصلّ فيه .

الألفاظ ذات الصّلة :

أ - المحدثات :

4 - الحديث نقيض القديم ، والحدوث : كون شيءٍ بعد أن لم يكن . ومحدثات الأمور : ما ابتدعه أهل الأهواء من الأشياء الّتي كان السّلف الصّالح على غيرها . وفي الحديث :

« إيّاكم ومحدثات الأمور » والمحدثات جمع محدثةٍ بالفتح ، وهي : ما لم يكن معروفاً في كتابٍ ولا سنّةٍ ولا إجماعٍ . وعلى هذا المعنى تلتقي المحدثات مع البدعة على المعنى الثّاني .

ب - الفطرة :

5 - الفطرة : الابتداء والاختراع . وفطر اللّه الخلق : خلقهم وبدأهم ، ويقال : أنا فطرت الشّيء أي : أوّل من ابتدأه . وعلى هذا الوجه يلتقي مع البدعة في بعض معانيها اللّغويّة .

ج - السّنّة :

6 - السّنّة في اللّغة : الطّريقة ، حسنةً كانت أو سيّئةً . قال عليه الصلاة والسلام : « من سَنَّ سُنّةً حسنةً فله أجرُها وأجرُ من عَمِل بها إلى يوم القيامة ، ومن سَنّ سنّةً سيّئةً فعليه وِزْرها وَوِزْرُ من عَمِل بها إلى يوم القيامة » .

وفي الاصطلاح : هي الطّريقة المسلوكة الجارية في الدّين المأثورة عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أو صحبه . لقوله صلى الله عليه وسلم : « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين من بعدي » وهي بهذا المعنى مقابلة للبدعة ومضادّة لها تماماً .

وللسّنّة إطلاقات أخرى شرعيّة اشتهرت بها ، منها : أنّها تطلق على الشّريعة كلّها ، كقولهم : الأولى بالإمامة الأعلم بالسّنّة . ومنها : ما هو أحد الأدلّة الأربعة الشّرعيّة ، وهو ما صدر عن رسول اللّه - غير القرآن - من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ . ومنها : ما يعمّ النّفل ، وهو ما فعله خير من تركه من غير افتراضٍ ولا وجوبٍ .

د - المعصية :

7 - العصيان : خلاف الطّاعة يقال : عصى العبد ربّه إذا خالف أمره ، وعصى فلان أميره : إذا خالف أمره . وشرعاً : عصيان أمر الشّارع قصداً ، وهي ليست بمنزلةٍ واحدةٍ .

فهي إمّا كبائر وهي : ما يترتّب عليها حدّ ، أو وعيد بالنّار أو اللّعنة أو الغضب ، أو ما اتّفقت الشّرائع على تحريمه ، على اختلافٍ بين العلماء في تحديدها .

وإمّا صغائر وهي : ما لم يترتّب عليها شيء ممّا ذكر إذا اجتنب الإصرار عليها ، لقوله تعالى : { إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ ما تُنْهَونَ عنه نُكَفِّرْ عنكم سيّئاتِكم } وعلى هذا تكون البدعة أعمّ من المعصية ، حيث تشمل المعصية ، كالبدعة المحرّمة والمكروهة كراهة تحريمٍ ، وغير المعصية كالواجبة والمستحبّة والمباحة .

هـ المصلحة المرسلة :

8 المصلحة لغةً كالمنفعة وزناً ومعنًى ، فهي مصدر بمعنى الصّلاح ، أو هي اسم للواحد من المصالح . والمصلحة المرسلة اصطلاحاً هي : المحافظة على مقصود الشّرع المنحصر في الضّروريّات . الخمس ، كما قال الإمام الغزاليّ رحمه الله ، أو هي اعتبار المناسب الّذي لا يشهد له أصل معيّن عند الشّاطبيّ ، أو هي أن يرى المجتهد أنّ هذا الفعل فيه منفعة راجحة وليس في الشّرع ما ينفيه عند ابن تيميّة . أو هي أن يناط الأمر باعتبارٍ  مناسبٍ لم يدلّ الشّرع على اعتباره ولا إلغائه إلاّ أنّه ملائم لتصرّفات الشّرع ، إلى غير ذلك من التّعريفات الأخرى الّتي يرجع لتفاصيلها إلى مصطلح ( مصلحة مرسلة ) .

حكم البدعة التّكليفيّ :

9 - ذهب الإمام الشّافعيّ والعزّ بن عبد السّلام وأبو شامة ، والنّوويّ من الشّافعيّة ، والإمام القرافيّ والزّرقانيّ من المالكيّة ، وابن الجوزيّ من الحنابلة ، وابن عابدين من الحنيفة إلى تقسيم البدعة تبعاً للأحكام الخمسة إلى : واجبةٍ أو محرّمةٍ أو مندوبةٍ أو مكروهةٍ أو مباحةٍ . وضربوا لكلٍّ من هذه الأقسام أمثلةً :

فمن أمثلة البدعة الواجبة : الاشتغال بعلم النّحو ، الّذي يفهم به كلام اللّه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم لأنّ حفظ الشّريعة واجب ، ولا يتأتّى حفظها إلاّ بمعرفة ذلك ، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب . وتدوين الكلام في الجرح والتّعديل لتمييز الصّحيح من السّقيم ، لأنّ قواعد الشّريعة دلّت على أنّ حفظ الشّريعة فرض كفايةٍ فيما زاد على القدر المتعيّن ، ولا يتأتّى حفظها إلاّ بما ذكرناه .

ومن أمثلة البدعة المحرّمة : مذهب القدريّة والخوارج والمجسّمة .

ومن أمثلة البدعة المندوبة : إحداث المدارس وبناء القناطر وصلاة التّراويح في المسجد جماعةً .

ومن أمثلة المكروهة : زخرفة المساجد وتزويق المصاحف .

وأمّا أمثلة البدعة المباحة فمنها : المصافحة عقيب صلاة الصّبح والعصر ، ومنها التّوسّع في اللّذيذ من المآكل والمشارب والملابس . هذا وقد قسّم العلماء البدعة المحرّمة إلى بدعةٍ مكفّرةٍ وغير مكفّرةٍ ، وصغيرةٍ وكبيرةٍ على ما سيأتي .

البدعة في العقيدة :

10 - اتّفق العلماء على أنّ البدعة في العقيدة محرّمة ، وقد تتدرّج إلى أن تصل إلى الكفر . فأمّا الّتي تصل إلى الكفر فهي أن تخالف معلوماً من الدّين بالضّرورة ، كبدعة الجاهليّين الّتي نبّه عليها القرآن الكريم في قوله تعالى :  { ما جَعَل اللّهُ من بَحِيرَةٍ ولا سَائِبَةٍ ولا وَصِيلَةٍ ولا حَامٍ } وقوله تعالى : { وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصةٌ لِذُكورنا ومُحَرَّمٌ على أزواجنا وإنْ يكن مَيْتَةً فهم فيه شركاءُ } وحدّدوا كذلك ضابطاً للبدعة المكفّرة ، وهي : أن يتّفق الكلّ على أنّ هذه البدعة كفر صراح لا شبهة فيه .

البدعة في العبادات :

اتّفق العلماء على أنّ البدعة في العبادات منها ما يكون حراماً ومعصيةً ، ومنها ما يكون مكروهاً .

أ - البدعة المحرّمة :

11 - ومن أمثلتها : بدعة التّبتّل والصّيام قائماً في الشّمس ، والخصاء لقطع الشّهوة في الجماع والتّفرّغ للعبادة . لما جاء عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في حديث الرّهط الّذين فعلوا ذلك : « جاء ثلاثةُ رَهْطٍ إلى بيوتِ أزواج رسولِ اللّه صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته ، فلمّا أُخبِروا كأنّهم تَقَالّوها ، فقالوا : وأينَ نحنُ من النّبيّ صلى الله عليه وسلم قد غفرَ اللّه له ما تَقَدّمَ من ذنبه وما تَأَخّرَ . قال أحدُهم : أمّا أنا فإنّي أصلّي اللّيلَ أبداً ، وقال الآخر : أنا أصومُ الدّهرَ ولا أفطرُ ، وقال الآخر : أنا أعتزلُ النّساءَ فلا أتزوّجُ أبداً ، فجاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : أنتم الّذين قلتم كذا وكذا ، أمَا واللّه إنّي لَأَخْشَاكم لِلّه وأتقاكُم له . لكنّي أصومُ وأفطرُ ، وأصلّي وأرقدُ ، وأتزوّجُ النّساء ، فَمَنْ رغِبَ عن سنّتي فليس منّي » .

ب - البدعة المكروهة :

12 - قد تكون البدعة في العبادات من المكروهات ، مثل الاجتماع عشيّة عرفة للدّعاء لغير الحجّاج فيها ، وذكر السّلاطين في خطبة الجمعة للتّعظيم ، أمّا للدّعاء فسائغ ، وكزخرفة المساجد . جاء عن محمّد بن أبي القاسم عن أبي البحتريّ قال :" أخبر رجل عبد اللّه بن مسعودٍ أنّ قوماً يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول : كبّروا اللّه كذا وكذا ، وسبّحوا اللّه كذا وكذا ، واحمدوا اللّه كذا وكذا ، قال عبد اللّه : فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم ، فأتاهم فجلس ، فلمّا سمع ما يقولون قام فأتى ابن مسعودٍ فجاء - وكان رجلاً حديداً - فقال أنا عبد اللّه بن مسعودٍ ،  واللّه الّذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعةٍ ظلماً ، ولقد فضلتم أصحاب محمّدٍ صلى الله عليه وسلم علماً . فقال عمرو بن عتبة : أستغفر اللّه . فقال عليكم بالطّريق فالزموه ، ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لتضلّنّ ضلالاً بعيداً ".

البدعة في العادات :

13 - البدعة في العادات منها المكروه ، كالإسراف في المآكل والمشارب ونحوها .

ومنها المباح ، مثل التّوسّع في اللّذيذ من المآكل والمشارب والملابس والمساكن ، ولبس الطّيالسة ، وتوسيع الأكمام ، من غير سرفٍ ولا اختيالٍ .

وذهب قوم إلى أنّ الابتداع في العادات الّتي ليس لها تعلّق بالعبادات جائز ، لأنّه لو جازت المؤاخذة في الابتداع في العادات لوجب أن تعدّ كلّ العادات الّتي حدثت بعد الصّدر الأوّل - من المآكل والمشارب والملابس والمسائل النّازلة - بدعاً مكروهاتٍ ، والتّالي باطل ، لأنّه لم يقل أحد بأنّ تلك العادات الّتي برزت بعد الصّدر الأوّل مخالفةً لهم ، ولأنّ العادات من الأشياء الّتي تدور مع الزّمان والمكان .

دواعي البدعة وأسبابها :

14 - دواعي البدعة وأسبابها وبواعثها كثيرة ومتعدّدة ، يصعب حصرها ، لأنّها تتجدّد وتتنوّع حسب الأحوال والأزمان والأمكنة والأشخاص ، وأحكام الدّين وفروعه كثيرة ، والانحراف عنها واتّباع سبل الشّيطان في كلّ حكمٍ متعدّد الوجوه .

وكلّ خروجٍ إلى وسيلةٍ من وسائل الباطل لا بدّ له من باعثٍ .

ومع ذلك فمن الممكن إرجاع الدّواعي والأسباب إلى ما يأتي :

أ - الجهل بوسائل المقاصد :

15 - أنزل اللّه سبحانه وتعالى القرآن عربيّاً لا عجمة فيه ، بمعنى أنّه جارٍ في ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب ، وقد أخبر اللّه تعالى بذلك فقال : { إنّا أنزلناه قرآناً عربيّاً } . وقال : { قرآناً عربيّاً غير ذي عوجٍ } ومن هذا يعلم أنّ الشّريعة لا تفهم إلاّ إذا فهم اللّسان العربيّ ، لقوله تعالى : { وكذلك أنزلناه حكماً عربيّاً } والإخلال في ذلك قد يؤدّي إلى البدعة .

ب - الجهل بالمقاصد :

16 - ما ينبغي للإنسان أن يعلمه ولا يجهله من المقاصد أمران :

- 1 - أنّ الشّريعة جاءت كاملةً تامّةً لا نقص فيها ولا زيادة ، ويجب أن ينظر إليها بعين الكمال  لا بعين النّقص ، وأن يرتبط بها ارتباط ثقةٍ وإذعانٍ ، في عاداتها وعباداتها ومعاملاتها ، وألاّ يخرج عنها ألبتّة . وهذا الأمر أغفله المبتدعة فاستدركوا على الشّرع ، وكذبوا على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وقيل لهم في ذلك فقالوا : نحن لم نكذب على رسول اللّه وإنّما كذبنا له . وحكي عن محمّد بن سعيدٍ ، المعروف بالأردنّيّ ، أنّه قال :" إذا كان الكلام حسناً لم أر فيه بأساً ، أجعل له إسناداً إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ".

- 2 - أن يوقن إيقاناً جازماً أنّه لا تضادّ بين آيات القرآن الكريم وبين الأحاديث النّبويّة بعضها مع بعضٍ ، أو بينها وبين القرآن الكريم ، لأنّ النّبع واحد ، وما كان الرّسول صلى الله عليه وسلم ينطق عن الهوى ، إن هو إلاّ وحيّ يوحى ، وإنّ قوماً اختلف عليهم الأمر لجهلهم ، هم الّذين عناهم الرّسول بقوله : « يقرءون القرآنَ لا يجاوِزُ حناجرَهم » .

فيتحصّل ممّا قدّمنا كمال الشّريعة وعدم التّضادّ بين نصوصها .

أمّا كمال الشّريعة فقد أخبرنا اللّه تعالى بذلك : { اليوم أكملتُ لكم دينَكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً } . وأمّا عدم التّضادّ في اللّفظ أو المعنى فقد بيّن اللّه أنّ المتدبّر لا يجد في القرآن اختلافاً ، لأنّ الاختلاف منافٍ للعلم والقدرة والحكمة { أفلا يَتَدَبَّرُونَ القرآنَ ولو كانَ من عندِ غيرِ اللّه لَوَجدوا فيه اختلافاً كثيراً } .

ج - الجهل بالسّنّة :

17 - من الأمور المؤدّية إلى البدعة الجهل بالسّنّة . والجهل بالسّنّة يعني أمرين :

الأوّل : جهل النّاس بأصل السّنّة .

والثّاني : جهلهم بالصّحيح من غيره ، فيختلط عليهم الأمر .

أمّا جهلهم بالسّنّة الصّحيحة ، فيجعلهم يأخذون بالأحاديث المكذوبة على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وقد وردت الآثار من القرآن والسّنّة تنهي عن ذلك ، كقوله تعالى : { ولا تَقْفُ ما ليس لَكَ بهِ عِلْمٌ إنَّ السّمعَ والبصرَ والفؤادَ كلُّ أولئك كان عنه مَسْئولاً } وقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبوّأ مَقْعَدَه من النّارِ » . 

ومن جهلهم بالسّنّة ، جهلهم بدورها في التّشريع ، وقد بيّن اللّه سبحانه وتعالى مكانة السّنّة في التّشريع : { وَمَا آتاكم الرّسولُ فَخُذُوه وما نَهَاكم عنه فانتهوا } .

د - تحسين الظّنّ بالعقل :

18 - عدّ العلماء من دواعي البدعة تحسين الظّنّ بالعقل ، ويتأتّى هذا من جهة أنّ المبتدع يعتمد على عقله ، ولا يعتمد على الوحي وإخبار المعصوم صلى الله عليه وسلم فيجرّه عقله القاصر إلى أشياء بعيدةٍ عن الطّريق المستقيم ، فيقع بذلك في الخطأ والابتداع ، ويظنّ أنّ عقله موصّله ، فإذا هو مهلكه . وهذا لأنّ اللّه جعل للعقول في إدراكها حدّاً تنتهي إليه لا تتعدّاه ، من ناحية الكمّ ومن ناحية الكيف .

أمّا علم اللّه سبحانه فلا يتناهى ، والمتناهي لا يساوي ما لا يتناهى . ويتخلّص من ذلك :

- 1 - أنّ العقل ما دام على هذه الصّورة لا يجعل حاكماً بإطلاقٍ ، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاقٍ ، وهو الشّرع ، والواجب عليه أن يقدّم ما حقّه التّقديم ، ويؤخّر ما حقّه التّأخير .

- 2 - إذا وجد الإنسان في الشّرع أخباراً يقتضي ظاهرها خرق العادة المألوفة - الّتي لم يسبق له أن رآها أو علم بها علماً صحيحاً - لا يجوز له أن يقدّم بين يديه لأوّل وهلةٍ الإنكار بإطلاقٍ ، بل أمامه أحد أمرين :

الأوّل : إمّا أن يصدّق به ويكل العلم فيه للرّاسخين في العلم والمتخصّصين فيه متمثّلاً بقوله تعالى : { والرّاسخونَ في العلمِ يقولون آمَنّا به كُلٌّ من عند ربّنا }

الثّاني : يتأوّل على ما يمكن حمله عليه من الآراء بمقتضى الظّاهر . ويحكم هذا كلّه قوله تعالى : { ثمّ جَعَلْناك على شَرِيعةٍ من الأَمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهواءَ الّذينَ لا يعلمون } وقوله : { يَا أيّها الّذينَ آمنوا أطيعُوا اللّه وأطيعُوا الرّسولَ وأُولي الأمرِ منكم فإنْ تَنَازَعْتُمْ في شيءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللّه والرّسولِ إنْ كنتم تُؤْمنونَ باللّه واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلاً } .

هـ اتّباع المتشابه :

19 قال بعض العلماء : المتشابه هو ما اختلف فيه من أحكام القرآن ، وقال آخرون : هو ما تقابلت فيه الأدلّة . وقد نهى الرّسول صلى الله عليه وسلم عن اتّباع المتشابه بقوله : « إذا رأيتم الّذينَ يَتَّبِعُون ما تَشَابَهَ منه فأولئك الّذين سمّى اللّه  فاحذَرُوهم » وقد ذكرهم القرآن في قوله تعالى : { هو الّذي أنزل عليك الكتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهاتٌ فَأَمّا الّذينَ في قُلوبِهم زَيْغٌ فَيَتَّبِعُون ما تَشَابه مِنه } .

فليس نظرهم في الدّليل نظر المستبصر حتّى يكون هواه تحت حكمه ، بل نظر من حكم بالهوى . ثمّ أتى بالدّليل كالشّاهد له .

و - اتّباع الهوى :

20 - يطلق الهوى على ميل النّفس وانحرافها نحو الشّيء ، ثمّ غلب استعماله في الميل المذموم والانحراف السّيّئ . ونسبت البدع إلى الأهواء ، وسمّي أصحابها بأهل الأهواء ، لأنّهم اتّبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلّة مأخذ الافتقار إليها والتّعويل عليها ، بل قدّموا أهواءهم واعتمدوا على آرائهم ، ثمّ جعلوا الأدلّة الشّرعيّة منظوراً فيها من وراء ذلك .

21 - مداخل هذه الأهواء :

أ - اتّباع العادات والآباء وجعلها ديناً . قال تعالى في شأن هؤلاء : { إنّا وَجَدنا آباءنا على أُمَّةٍ وإنّا على آثارِهم مُهْتَدون } فقال الحقّ على لسان رسوله { قال أَوَلَوْ جِئْتُكم بأَهْدَى ممّا وَجَدْتُم عليه آباءَكم } .

ب - رأي بعض المقلّدين في أئمّتهم والتّعصّب لهم ، فقد يؤدّي هذا التّغالي في التّقليد إلى إنكار بعض النّصوص والأدلّة أو تأويلها ، وعدّ من يخالفهم مفارقاً للجماعة .

ج - التّصوّف الفاسد وأخذ ما نقل عن المتصوّفة من الأحوال الجارية عليهم ، أو الأقوال الصّادرة عنهم ديناً وشريعةً ، وإن كانت مخالفةً للنّصوص الشّرعيّة من الكتاب والسّنّة .

د - التّحسين والتّقبيح العقليّان . فإنّ محصول هذا المذهب تحكيم عقول الرّجال دون الشّرع ، وهو أصل من الأصول الّتي بنى عليها أهل الابتداع في الدّين ، بحيث إنّ الشّرع إن وافق آراءهم قبلوه وإلاّ ردّ .

هـ - العمل بالأحلام . فإنّ الرّؤيا قد تكون من الشّيطان ، وقد تكون من حديث النّفس ، وقد تكون من أخلاطٍ مهتاجةٍ . فمتى تتعيّن الرّؤيا الصّالحة النّقيّة حتّى يحكم بها ؟ ، .

أنواع البدعة :

تنقسم البدعة من حيث قربها من الأدلّة أو بعدها عنها إلى حقيقيّةٍ وإضافيّةٍ .

البدعة الحقيقيّة :

22 - هي الّتي لم يدلّ عليها دليل شرعيّ ، لا من كتابٍ ولا سنّةٍ ولا إجماعٍ ولا استدلالٍ معتبرٍ عند أهل العلم ، لا في الجملة ولا في التّفصيل ، ولهذا سمّيت بدعة حقيقيّة ، لأنّها شيء مخترع على غير مثالٍ سابقٍ ، وإن كان المبتدع يأبى أن ينسب إليه الخروج عن الشّرع ، إذ هو مدّعٍ أنّه داخل بما استنبط تحت مقتضى الأدلّة ، ولكن ثبت أنّ هذه الدّعوى غير صحيحةٍ ، لا في نفس الأمر ولا بحسب الظّاهر ، أمّا بحسب نفس الأمر فبالعرض ، وأمّا بحسب الظّاهر فإنّ أدلّته شبه وليست بأدلّةٍ ، ومن أمثلتها : التّقرّب إلى اللّه تعالى بالرّهبانيّة وترك الزّواج مع وجود الدّاعي إليه وفقد المانع الشّرعيّ ، كرهبانيّة النّصارى المذكورة في قوله تعالى : { وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوها ما كتَبْنَاها عليهم إلاّ ابتغاءَ رِضْوانِ اللّه } فهذه كانت قبل الإسلام ، أمّا في الإسلام فقد نسخت في شريعتنا بمثل قوله صلى الله عليه وسلم « فمن رغب عن سنّتي فليس منّي » .

ومنها : أن يفعل المسلم مثل ما يفعل أهل الهند في تعذيب النّفس بأنواع العذاب الشّنيع والقتل بالأصناف الّتي تفزع منها القلوب وتقشعرّ منها الجلود ، مثل الإحراق بالنّار على جهة استعجال الموت لنيل الدّرجات العليا والقربى من اللّه سبحانه في زعمهم .

البدعة الإضافيّة :

23 - وهي الّتي لها شائبتان : إحداهما لها من الأدلّة متعلّق ، فلا تكون من تلك الجهة بدعةً ، والثّانية ليس لها متعلّق إلاّ مثل ما للبدعة الحقيقيّة . ولمّا كان العمل له شائبتان ، ولم يتخلّص لأحدٍ الطّرفين ، وضعت له هذه التّسمية ، لأنّها بالنّسبة إلى إحدى الجهتين سنّة لاستنادها إلى دليلٍ ، وبالنّسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لاستنادها إلى شبهةٍ لا إلى دليلٍ ، أو لأنّها غير مستندةٍ إلى شيءٍ ، وهذا النّوع من البدع هو مثار الخلاف بين المتكلّمين في البدع والسّنن . وله أمثلة كثيرة ، منها : صلاة الرّغائب ، وهي : اثنتا عشرة ركعةً في ليلة الجمعة الأولى من رجبٍ بكيفيّةٍ مخصوصةٍ ، وقد قال العلماء : إنّها بدعة قبيحة منكرة . وكذا صلاة ليلة النّصف من شعبان ، وهي : مائة ركعةٍ بكيفيّةٍ خاصّةٍ . وصلاة برّ الوالدين . ووجه كونها بدعةً إضافيّةً : أنّها مشروعة ، باعتبار النّظر إلى أصل الصّلاة ، لحديثٍ رواه  الطّبرانيّ في الأوسط « الصّلاة خير موضوعٍ » وغير مشروعةٍ باعتبار ما عرض لها من التزام الوقت المخصوص والكيفيّة المخصوصة .

فهي مشروعة باعتبار ذاتها ، مبتدعة باعتبار ما عرض لها .

البدع المكفّرة وغير المكفّرة :

24 - البدع متفاوتة ، فلا يصحّ أن يقال : إنّها على حكمٍ واحدٍ هو الكراهة فقط ، أو التّحريم فقط . فقد وجد أنّها تختلف في أحكامها ، فمنها ما هو كفر صراح ، كبدعة الجاهليّة الّتي نبّه القرآن عليها كقوله تعالى : { وَجَعَلوا للّه ممّا ذَرَأَ من الحَرْثِ والأنعامِ نَصيباً فقالوا : هذا للّه بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَائِنا } الآية ، وقوله تعالى : { وقالوا ما في بُطونِ هذه الأنْعامِ خالصةٌ لذكورِنا ومحرّمٌ على أزواجِنا وإنْ يكنْ مَيْتةً فهم فيه شُرَكَاء } وقوله تعالى : { ما جَعَل اللّهُ من بَحِيرَةٍ ولا سَائِبَةٍ ولا وَصِيلةٍ ولا حَامٍ } . وكذلك بدعة المنافقين الّذين اتّخذوا الدّين ذريعةً لحفظ النّفس والمال وما أشبه ذلك { يقولونَ بِأَفْواهِهِمْ ما ليسَ في قُلوبِهم } فهذا وأضرابه لا يشكّ أحد في أنّه كفر صراح ، لابتداعه أشياء أنكرتها النّصوص وتوعّدت عليها .

ومنها ما هو كبيرة وليس بكفرٍ ، أو يختلف فيه هل هو كفر أم لا ؟ كبدع الفرق الضّالّة . ومنها ما هو معصية وليس بكفرٍ اتّفاقاً ، كبدعة التّبتّل والصّيام قائماً في الشّمس ، والخصاء بقطع شهوة الجماع ، للأحاديث الواردة في النّهي عن ذلك ، وقد سبق بعض منها ولقوله تعالى : { ولا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكم إنّ اللّه كانَ بِكم رَحيماً } .

تقسيم البدع غير المكفّرة إلى كبيرةٍ وصغيرةٍ :

25 - إنّ المعاصي منها صغائر ومنها كبائر ، ويعرف ذلك بكونها واقعةً في الضّروريّات أو الحاجيّات أو التّحسينات ، فإن كانت في الضّروريّات فهي أعظم الكبائر ، وإن وقعت في التّحسينات فهي أدنى رتبةً بلا إشكالٍ ، وإن وقعت في الحاجيّات فمتوسّطة بين الرّتبتين ، لقوله تعالى : { الّذين يَجْتَنِبُون كَبَائِرَ الِإثمِ والفَوَاحِشَ إلاّ اللّمَمَ } وقوله : { إنْ تَجْتَنِبُوا  كَبَائِرَ ما تُنْهَوْنَ عنه نُكَفِّرْ عنكم سيّئاتِكم وَنُدْخِلْكم مُدْخَلاً كَرِيماً } ، وإذا كانت ليست رتبةً واحدةً فالبدع من جملة المعاصي ، وقد ثبت التّفاوت في المعاصي ، فكذلك يتصوّر مثله في البدع ، فمنها ما يقع في الضّروريّات ، ومنها ما يقع في رتبة الحاجيّات ، ومنها ما يقع في رتبة التّحسينات . وما يقع في رتبة الضّروريّات ، منه ما يقع في الدّين ، أو النّفس ، أو النّسل ، أو العقل ، أو المال . فمثال وقوعه في الدّين : اختراع الكفّار وتغييرهم ملّة إبراهيم عليه السلام في نحو قوله : { ما جَعَل اللّهُ من بَحِيرةٍ ولا سَائبةٍ ولا وَصِيلةٍ ولا حامٍ } وحاصل ما في الآية تحريم ما أحلّ اللّه على نيّة التّقرّب به إليه ، مع كونه حلالاً بحكم الشّريعة المتقدّمة . ومثال ما يقع في النّفس : ما عليه بعض نحل الهند ، من تعذيبها أنفسها بأنواع العذاب واستعجال الموت ، لنيل الدّرجات العلى على زعمهم .

ومثال ما يقع في النّسل : ما كان من أنكحة الجاهليّة الّتي كانت معهودةً ومعمولاً بها ومتّخذةً كالدّين ، وهي لا عهد بها في شريعة إبراهيم عليه السلام ولا غيره ، بل كانت من جملة ما اخترعوه . من ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها في حديث أنكحة الجاهليّة .

ومثال ما يقع في العقل : ما يتناول من المسكرات والمخدّرات بدعوى تحصيل النّفع والتّقوّي على القيام ببعض الواجبات المشروعة في ذاتها . ومثال ما يقع في المال : قولهم { إنّما البَيْعُ مِثْلُ الرّبا } فإنّهم احتجّوا بقياسٍ فاسدٍ . وكذلك سائر ما يحدث النّاس بينهم من البيوع المبنيّة على المخاطرة والغرر .

26 - هذا التّقسيم من حيث اعتبار البدعة كبيرةً أو صغيرةً مشروط بشروطٍ :

الأوّل : ألاّ يداوم عليها ، فإنّ الصّغيرة من المعاصي لمن داوم عليها تكبر بالنّسبة إليه ، لأنّ ذلك ناشئ عن الإصرار عليها ، والإصرار على الصّغيرة يصيّرها كبيرةً ، ولذلك قالوا : لا صغيرة مع إصرارٍ ، ولا كبيرة مع استغفارٍ ، فكذلك البدعة من غير فرقٍ .

الثّاني : ألاّ يدعو إليها . فإذا ابتلي إنسان ببدعةٍ فدعا إليها تحمّل وزرها وأوزار الآخرين معه ، مصداقاً لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من سنّ  سنّةً سيّئةً فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » .

الثّالث : ألاّ تفعل في الأماكن العامّة الّتي يجتمع فيها النّاس ، أو المواضع الّتي تقام فيها السّنن ، وتظهر فيها أعلام الشّريعة ، وألاّ يكون ممّن يقتدى به أو يحسن به الظّنّ ، فإنّ العوّام يقتدون - بغير نظرٍ - بالموثوق بهم أو بمن يحسنون الظّنّ به ، فتعمّ البلوى ويسهل على النّاس ارتكابها .

تقسيم المبتدع إلى داعيةٍ لبدعته وغير داعيةٍ :

27 - المنسوب إلى البدعة في العرف لا يخلو أن يكون مجتهداً فيها أو مقلّداً ، والمقلّد إمّا أن يكون مقلّداً مع الإقرار بالدّليل الّذي زعمه المجتهد المبتدع ، وإمّا أن يكون مقلّداً من غير نظرٍ ، كالعامّيّ الصّرف الّذي حسّن الظّنّ بصاحب البدعة ، ولم يكن له دليل على التّفصيل يتعلّق به ، إلاّ تحسين الظّنّ بالمبتدع خاصّةً . وهذا القسم كثير في العوّام ، فإذا تبيّن أنّ المبتدع آثم ، فليس الإثم الواقع عليه على رتبةٍ واحدةٍ . بل هو على مراتب مختلفةٍ ، من جهة كون صاحب البدعة داعياً إليها أم لا ، لأنّ الزّيغ في قلب الدّاعي أمكن منه في قلب المقلّد ، ولأنّه أوّل من سنّ تلك السّنّة ، ولأنّه يتحمّل وزر من تبعه ، مصداقاً لحديث : « من سنّ سنّةً سيّئةً فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » .

كما يختلف الإثم بالنّسبة إلى الإسرار والإعلان ، لأنّ المسرّ ضرره مقصور عليه لا يتعدّاه ، بخلاف المعلن . كما يختلف كذلك من جهة الإصرار عليها أو عدمه ، ومن جهة كونها حقيقيّةً أو إضافيّةً ، ومن جهة كونها كفراً أو غير كفرٍ .س

رواية المبتدع للحديث :

28 - ردّ العلماء رواية من كفر ببدعته ، ولم يحتجّوا به في صحّة الرّواية .

ولكنّهم شرطوا للكفر بالبدعة ، أن ينكر المبتدع أمراً متواتراً من الشّرع معلوماً من الدّين بالضّرورة . أمّا من لم يكفر ببدعته ، فللعلماء في روايته ثلاثة أقوالٍ :

الأوّل : لا يحتجّ بروايته مطلقاً ، وهو رأي الإمام مالكٍ ، لأنّ في الرّواية عن المبتدع ترويجاً لأمره وتنويهاً بذكره ، ولأنّه أصبح فاسقاً ببدعته .

الثّاني : يحتجّ به إن لم يكن ممّن يستحلّ الكذب في نصرة مذهبه ، سواء أكان داعيةً أم لا ، وهو قول الشّافعيّ وأبي يوسف والثّوريّ . 

الثّالث : قيل يحتجّ به إن لم يكن داعياً إلى بدعته ، ولا يحتجّ به إن كان داعيةً إليها .

قال النّوويّ والسّيوطيّ : هذا القول هو الأعدل والأظهر ، وهو قول الكثير أو الأكثر ، ويؤيّده احتجاج البخاريّ ومسلمٍ في الصّحيحين بكثيرٍ من المبتدعة غير الدّعاة .

شهادة المبتدع :

29 - ردّ المالكيّة والحنابلة شهادة المبتدع ، سواء أكفر ببدعته أم لا ، وسواء أكان داعياً لها أم لا . وهو رأي شريكٍ وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثورٍ ، وعلّلوا ذلك بأنّ المبتدع فاسق تردّ شهادته للآية : { وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكم } ولقوله تعالى : { إنْ جَاءَكُمْ فاسقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } وقال الحنفيّة والشّافعيّة في الرّاجح عندهم : تقبل شهادة المبتدع ما لم يكفر ببدعته ، كمنكر صفات اللّه وخلقه لأفعال العباد ، لأنّهم يعتقدون أنّهم مصيبون في ذلك لما قام عندهم من الأدلّة .

وقال الشّافعيّة في المرجوح عندهم : لا تقبل شهادة المبتدع الدّاعي إلى البدعة .

الصّلاة خلف المبتدع

30 - اختلف العلماء في حكم الصّلاة خلف المبتدع . فذهب الحنفيّة ، والشّافعيّة ، وهو رأي للمالكيّة إلى جواز الصّلاة خلف المبتدع مع الكراهة ما لم يكفر ببدعته ، فإن كفر ببدعته فلا تجوز الصّلاة خلفه . واستدلّوا لذلك بأدلّةٍ منها : قوله صلى الله عليه وسلم « صَلُّوا خلْفَ مَنْ قال لا إِلهَ إلاّ اللّه » وقوله : « صَلُّوا خلفَ كلِّ بَرٍّ وفاجرٍ » .

وما روي من أنّ ابن عمر رضي الله عنهما كان يصلّي مع الخوارج وغيرهم زمن عبد اللّه بن الزّبير وهم يقتتلون ، فقيل له : أتصلّي مع هؤلاء ومع هؤلاء ، وبعضهم يقتل بعضاً ؟ فقال :" من قال حيّ على الصّلاة أجبته ، ومن قال : حيّ على الفلاح أجبته . ومن قال : حيّ على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله قلت : لا ".

ولأنّ المبتدع المذكور تصحّ صلاته ، فصحّ  الائتمام به كغيره .

وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ من صلّى خلف المبتدع الّذي يعلن بدعته ويدعو إليها أعاد صلاته ندباً ، وأمّا من صلّى خلف مبتدعٍ يستتر ببدعته فلا إعادة عليه .

واستدلّوا بقوله صلى الله عليه وسلم : « لا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلاً ، ولا فاجرٌ مؤمناً إلاّ أن يَقْهَرَه بسلطانٍ ، أو يخافَ سوطَه أو سيفه » .

ولاية المبتدع :

31 - اتّفق العلماء على أنّ من شروط أصحاب الولايات العامّة - كالإمام الأعظم الخليفة وأمراء الولايات والقضاة وغيرهم - العدالة ، وألاّ يكونوا من أصحاب الأهواء والبدع ، وذلك لتكون العدالة وازعةً عن التّقصير في جلب المصالح ودرء المفاسد ، وحتّى لا يخرجه الهوى من الحقّ إلى الباطل ، وقد ورد : " حبّك الشّيء يعمي ويصمّ " .

ولكنّ ولاية المتغلّب على الإمامة أو غيرها من الولايات تنعقد ، وتجب طاعته فيما يجوز من أمره ونهيه وقضائه باتّفاق الفقهاء ، وإن كان من أهل البدع . والأهواء ، ما لم يكفر ببدعته ، درءاً للفتنة ، وصوناً لشمل المسلمين ، واحتفاظاً بوحدة الكلمة .

الصّلاة على المبتدع :

32 - اختلف الفقهاء في الصّلاة على المبتدع الميّت ، فذهب جمهور العلماء إلى وجوب الصّلاة على المبتدع الّذي لم يكفر ببدعته ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « صلّوا على من قال لا إله إلاّ اللّه » .

إلاّ أنّ المالكيّة يرون كراهية صلاة أصحاب الفضل على المبتدع ، ليكون ذلك ردعاً وزجراً لغيرهم عن مثل حالهم ، ولأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم أتي برجلٍ قتل نفسه لم يصلّ عليه » . وذهب الحنابلة إلى منع الصّلاة على المبتدع ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم

« ترك الصّلاة على صاحب الدّين وقاتل نفسه » وهما أقلّ جرماً من المبتدع .

توبة المبتدع :

33 - اختلف العلماء في قبول توبة المبتدع المكفّر ببدعته ، فقال جمهور كلٍّ من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بقبول توبته ، لقوله تعالى : { قُلْ لِلّذين كَفَروا إنْ يِنْتهُوا يُغْفَرْ لهم ما قَدْ سَلَفَ } ولقوله صلى الله عليه وسلم : « أُمِرْتُ أنْ أُقاتلَ النّاسَ حتّى يقولُوا : لا إلهَ إلاّ اللّه ، فإذا قالوها فقد عَصَمُوا منّي دماءَهم وأموالَهم إلاّ بِحَقِّها ، وحسابُهم على اللّه » ومن الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة من يرى أنّ توبة المبتدع لا تقبل إذا كان ممّن يظهر الإسلام ويبطن الكفر ، كالمنافق والزّنديق والباطنيّ ، لأنّ توبته صدرت عن خوفٍ ، ولأنّه لا تظهر منه علامة تبيّن صدق توبته ، حيث كان مظهراً للإسلام مسرّاً للكفر ، فإذا أظهر التّوبة لم يزد على ما كان منه قبلها ، واستدلّوا لذلك ببعض الأحاديث ، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : « سيخرجُ في أمّتي أقوامٌ تجاري بهم تلك الأهواءُ ، كما يتجارى الكلبُ بصاحبه ، لا يبقى منه عرقٌ ولا مفصلٌ إلاّ دَخَلَه » . وهذا الخلاف بين العلماء في قبول توبة المبتدع ينحصر فيما يتعلّق بأحكام الدّنيا في حقّه ، أمّا ما يتعلّق بقبول اللّه تعالى لتوبته وغفرانه لذنبه إذا أخلص وصدق في توبته فلا خلاف فيه .

ما يجب على المسلمين تجاه البدعة :

34 - ينبغي على المسلمين تجاه البدعة أشياء لمنع الوقوع فيها - منها :

أ - تعهّد القرآن وحفظه وتعليمه وبيان أحكامه ، لقوله تعالى : { وأَنْزَلْنا إليك الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ للنّاسِ ما نُزِّلَ إليهم } ولقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « خيرُكم من تعلَّمَ القُرآنَ وعلَّمَه » وفي روايةٍ « أَفْضَلُكم من تعلّمَ القُرآنَ وعلّمَه » وقوله صلى الله عليه وسلم :

« تَعَاهَدُوا القرآنَ فوالّذي نفسي بيده لَهُوَ أشدُّ تَفَصِّياً من الإبِلِ في عُقُلِها » لأنّ في  تعليم القرآن وبيان أحكامه قطع الطّريق على المبتدعين بإظهار الأحكام الشّرعيّة .

ب - إظهار السّنّة والتّعريف بها : لقوله تعالى : { وما آتاكم الرّسولُ فَخُذُوه وما نَهَاكم عنه فانْتَهُوا } وقوله تعالى : { وما كان لِمُؤْمنٍ ولا مُؤْمنةٍ إذا قَضَى اللّهُ ورسولُه أمراً أن يكونَ لهم الخِيَرَةُ من أمرِهم ومن يعص اللّهَ ورسولَه فقد ضلَّ ضَلالاً مُبيناً } . وعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « نَضَّرَ اللّهُ امْرأً سَمِع منّا حديثاً فَحَفِظَهُ حتّى يُبَلِّغَهُ غيرَه » .

وعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « ما أحدثَ قومٌ بِدْعَةً إلاّ رُفِعَ مِثْلُها من السُّنّةِ » .

ج - عدم قبول الاجتهاد ممّن لا يتأهّل له ، وردّ الاجتهاد في الدّين من المصادر غير المقبولة ، لقوله تعالى : { فاسْألوا أهل الذِّكْرِ إنْ كُنْتم لا تَعْلَمون } وقوله : { فإنْ تَنَازَعْتُم في شيءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللّهِ والرَّسولِ } وقوله : { وما يَعْلمُ تَأْويلَه إلاّ اللّهُ والرّاسخونَ في العلمِ } .

د - نبذ التّعصّب لرأيٍ من الآراء أو اجتهادٍ من الاجتهادات ، ما لم يكن مؤيّداً بالحقّ من الأدلّة الشّرعيّة لقوله تعالى : { وَمَنْ أضلُّ مِمَّن اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغيرِ هُدىً من اللّهِ } .

هـ منع العامّة من القول في الدّين ، وعدم الاعتداد بآرائهم مهما كانت مناصبهم وتقواهم إلاّ بالدّليل . يقول أبو يزيد البسطاميّ : لو نظرتم إلى رجلٍ أعطي من الكرامات حتّى يرتقي في الهواء ، فلا تغترّوا به حتّى تنظروا كيف تجدونه عن الأمر والنّهي وحفظ الحدود وأداء الشّريعة . وقال أبو عثمان الحيريّ : من أمّر السّنّة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة ، ومن أمّر الهوى على نفسه نطق بالبدعة . قال تعالى : { وَإِنْ تُطِيعوهُ تَهْتَدُوا } .

و- صدّ التّيّارات الفكريّة المضلّلة الّتي تشكّك النّاس في الدّين ، وتحمل بعضهم على التّأويل بغير دليلٍ لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إن تُطِيعُوا فَريقاً مِنَ الّذينَ أُوتوا الكِتابَ  يَرُدُّوكُمْ بعدَ إِيمانِكُم كافرين } .

ما يجب على المسلمين تجاه أهل البدعة :

35 - يجب على المسلمين من أولي الأمر وغيرهم أن يأمروا أهل البدع بالمعروف وينهوهم عن المنكر ، ويحضّوهم على اتّباع السّنّة والإقلاع عن البدعة والبعد عنها . لقوله تعالى : { ولْتَكُنْ منكم أُمّةٌ يَدْعون إلى الخيرِ وَيَأْمرون بالمعروفِ ويَنْهَونَ عن المنكَرِ وأولئكَ هُمُ المفلحون } ولقوله تعالى : { والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضُهمْ أَوْلياءُ بعضٍ يَأْمُرونَ بِالمَعْروفِ ويَنْهَوْن عن المنكَرِ } .

36 - مراحل الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر لمنع البدعة :

أ - التّعريف ببيان الصّواب من الخطأ بالدّليل .

ب - الوعظ بالكلام الحسن مصداقاً لقوله تعالى : { اُدْعُ إلى سبيلِ ربّك بالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ } .

ج - التّعنيف والتّخويف من العقاب الدّنيويّ والأخرويّ ، بيان أحكام ذلك في أمر بدعته .

د - المنع بالقهر ، مثل كسر الملاهي وتمزيق الأوراق وفضّ المجالس .

هـ - التّخويف والتّهديد بالضّرب الّذي يصل إلى التّعزير ، وهذه المرتبة لا تنبغي إلاّ للإمام أو بإذنه ، لئلاّ يترتّب عليها ضرر أكبر منها .

وللتّفصيل يرجع إلى مصطلح ( الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ) .

معاملة المبتدع ومخالطته :

37 - إذا كان المبتدع غير مجاهرٍ ببدعته ينصح ، ولا يجتنب ولا يشهّر به ، لحديث الرّسول صلى الله عليه وسلم : « مَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللّهُ في الدّنيا والآخرة » .

وأمّا إذا كان مجاهراً بشيءٍ منهيٍّ عنه من البدع الاعتقاديّة أو القوليّة أو العمليّة - وهو يعلم ذلك - فإنّه يسنّ هجره ، وقد اشتهر هذا عند العلماء . وروي عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « لا تُجَالِسُوا أهلَ القَدَر ، ولا تُفَاتِحُوهم » وقال ابن مسعودٍ :" من  أحبّ أن يكرم دينه فليعتزل مخالطة الشّيطان ومجالسة أصحاب الأهواء ، فإنّ مجالسهم ألصق من الحرب ".

وعن ابن عمر مرفوعاً : « لا تُجَالسوا أهلَ القدرِ ولا تُناكِحُوهم » . وعن أبي قلابة " لا تجالسوا أهل الأهواء ، فإنّي لا آمن أن يغمسوكم في ضلالاتهم ، أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون " وقد هجر أحمد من قالوا بخلق القرآن . قال ابن تيميّة : ينبغي لأهل الخير والدّين أن يهجروا المبتدع حيّاً وميّتاً ، إذا كان في ذلك كفّ للمجرمين ، فيتركوا تشييع جنازته .

إهانة المبتدع :

38 - صرّح العلماء بجواز إهانة المبتدع بعدم الصّلاة خلفه ، أو الصّلاة على جنازته ، وكذلك لا يعاد إذا مرض ، على خلافٍ في ذلك .

دائره المعارف فقهي كويت

نوشته شده توسط سرگروه الهیات در جمعه سوم اسفند 1386 ساعت 12:44 | لینک ثابت |

حجاب

التّعريف

1 - الحجاب في اللّغة : السّتر ، وهو مصدر يقال حجب الشّيء يحجبه حجبا وحجابا : أي ستره ، وقد احتجب وتحجّب إذا اكتنّ من وراء حجاب . والحجاب اسم ما احتجب به ، وكلّ ما حال بين شيئين فهو حجاب . والحجاب كلّ ما يستر المطلوب ويمنع من الوصول إليه كالسّتر والبوّاب والجسم والعجز والمعصية . : وقوله تعالى { ومن بيننا وبينك حجاب } ، معناه : ومن بيننا وبينك حاجز في النّحلة والدّين . والأصل في الحجاب أنّه جسم حائل بين جسدين . وقد استعمل في المعاني ، فقيل : العجز حجاب بين الإنسان ومراده ، والمعصية حجاب بين العبد وربّه . ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن معناه اللّغويّ الّذي هو السّتر والحيلولة . والحاجب يأتي بمعنى المانع ، ويأتي بمعنى العظم الّذي فوق العين بلحمه وشعره . وينظر ما يتّصل بهما من أحكام في مصطلح : ( حاجب ) .

( الألفاظ ذات الصّلة )

الخمار :

2 - الخمار من الخمر وأصله السّتر ، ومنه قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : { خمّروا آنيّتكم } وكلّ ما يستر شيئا فهو خماره . لكنّ الخمار صار في التّعارف اسما لما تغطّي به المرأة رأسها . ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ للخمار في بعض الإطلاقات عن المعنى اللّغويّ ، ويعرّفه  بعض الفقهاء بأنّه ما يستر الرّأس والصّدغين أو العنق . والفرق بين الحجاب والخمار أنّ الحجاب ساتر عامّ لجسم المرأة ، أمّا الخمار فهو في الجملة ما تستر به المرأة رأسها . النّقاب :

3 - النّقاب - بكسر النّون - ما تنتقب به المرأة ، يقال انتقبت المرأة وتنقّبت غطّت وجهها بالنّقاب . والفرق بين الحجاب والنّقاب ، أنّ الحجاب ساتر عامّ ، أمّا النّقاب فساتر لوجه المرأة فقط

 

( الحكم الإجماليّ ) :

4 - للفظ الحجاب إطلاقان : أحدهما : استعماله في الحسّيّات ، وهو الجسم الّذي يحول بين شيئين . والثّاني : استعماله في المعاني ، وهو الأمر المعنويّ الّذي يحول دون الوصول إلى المطلوب . وتختلف أحكامه في كلّ ذلك باختلاف مواضعه . أوّلا : استعماله في الحسّيّات ، ومن ذلك ما يلي :

1 - الحجاب بالنّسبة للعورة :

5 - اتّفق الفقهاء على وجوب حجب عورة المرأة والرّجل البالغين بسترها عن نظر الغير الّذي لا يحلّ له النّظر إليها . وعورة المرأة الّتي يجب عليها حجبها عن الأجنبيّ هي في الجملة جميع جسدها عدا الوجه والكفّين ، وهي بالنّسبة للمحرم من الرّجال ما عدا الوجه والرّأس والعنق والذّراع ، قال الحنفيّة : وما عدا الصّدر والسّاقين ، وقال الشّافعيّة : ما عدا ما بين السّرّة والرّكبة ، وبالنّسبة لمثلها من النّساء ما بين السّرّة والرّكبة . وعورة الرّجل الّتي يجب حجبها عن الغير هي ما بين السّرّة والرّكبة مع الاختلاف في حجب الفخذ . وهذا في الجملة . وينظر تفصيل ذلك في مصطلح : ( عورة ) . والدّليل على وجوب حجب العورة عمّن لا يحلّ له النّظر إليها قوله تعالى : { قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إنّ اللّه خبير بما يصنعون ، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ ويحفظن فروجهنّ ولا يبدين زينتهنّ إلاّ ما ظهر منها } ... الآية . وقول { النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأسماء : يا أسماء إنّ المرأة إذا  بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلاّ هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفّيه } . وقوله صلى الله عليه وسلم بالنّسبة للرّجال : { عورة الرّجل ما بين سرّته إلى ركبته } ووجوب حجب العورة إنّما يتحقّق بما يحول بين النّاظر ولون البشرة أو حجم الأعضاء . وكما يجب حجب العورة عن نظر الغير فإنّه يستحبّ - وقيل يجب - حجبها في الخلوة حياء من اللّه تعالى . هذا مع مراعاة أنّه لا حجاب بين الرّجل وزوجته . فعن بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جدّه قال : { قلت : يا رسول اللّه : عوراتنا ما نأتي منها وما نذر ؟ قال : احفظ عورتك إلاّ من زوجتك أو ما ملكت يمينك ، قال : قلت يا رسول اللّه : إذا كان القوم بعضهم في بعض ؟ قال : إن استطعت أن لا يرينّها أحد فلا يرينّها ، قال : قلت يا رسول اللّه إذا كان أحدنا خاليا ؟ قال : اللّه أحقّ أن يستحيا منه من النّاس } . والصّغيرة إن كانت بنت سبع سنين إلى تسع فعورتها الّتي يجب حجبها هي ما بين السّرّة والرّكبة ، وإن كانت أقلّ من سبع سنين فلا حكم لعورتها ، وهذا كما يقول الحنابلة . كما أنّه يجب على المرأة أن تحتجب من المراهق الّذي يميّز بين العورة وغيرها ، وهذا في الجملة . فإن كان صغيرا لا يميّز بين العورة وغيرها فلا بأس من إبداء الزّينة له لقوله تعالى : { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ ويحفظن فروجهنّ ولا يبدين زينتهنّ إلاّ ما ظهر منها وليضربن بخمرهنّ على جيوبهنّ ولا يبدين زينتهنّ إلاّ لبعولتهنّ أو آبائهنّ أو آباء بعولتهنّ أو أبنائهنّ أو أبناء بعولتهنّ أو إخوانهنّ أو بني إخوانهنّ أو بني أخواتهنّ أو نسائهنّ أو ما ملكت أيمانهنّ أو التّابعين غير أولي الإربة من الرّجال أو الطّفل الّذين لم يظهروا على عورات النّساء } . ويستثنى من وجوب حجب العورة إباحة  كشفها للحاجة والضّرورة كالتّداوي والختان والشّهادة وغير ذلك . فعن عطيّة القرظيّ قال : كنت من سبي بني قريظة ، فكانوا ينظرون ، فمن أنبت الشّعر قتل ، ومن لم ينبت لم يقتل ، فكنت فيمن لم ينبت . وفي كلّ ما سبق تفصيل ينظر في مصطلح : ( عورة ) .

 

2 - الاحتجاب أثناء قضاء الحاجة :

6 - يستحبّ لقاضي الحاجة في الفضاء أن يستتر عن أعين النّاس بحيث لا يرى جسمه . أمّا بالنّسبة للعورة فيجب حجبها ، فإن وجد حائطا أو كثيبا أو شجرة استتر به ، وإن لم يجد شيئا أبعد حتّى لا يراه أحد ، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : { من أتى الغائط فليستتر ، فإن لم يجد إلاّ أن يجمع كثيبا من الرّمل فليستدبره } وهذا في الجملة وينظر تفصيل ذلك في ( استنجاء ) .

 

3 - الحجاب الّذي يمنع الاقتداء بالإمام في الصّلاة :

7 - من شرائط الاقتداء أن لا يحول بين المأموم والإمام ما يمنع متابعته . فإن كان بين الإمام والمأموم جدار لا باب فيه ، أو كان بينهما باب مغلق يحول من المتابعة لم يصحّ الاقتداء ، لقول عائشة رضي الله تعالى عنها لنساء كنّ يصلّين في حجرتها : لا تصلّين بصلاة الإمام فإنّكنّ دونه في حجاب ، وهذا في الجملة . وينظر ذلك في ( اقتداء ) .

 

4 - الطّلاق من وراء حجاب :

8 - من خاطب زوجته بالطّلاق وهو يظنّها أجنبيّة بأن كانت في ظلمة ، أو من وراء حجاب وقع الطّلاق ، كما جاء في مغني المحتاج ، لأنّه أتى باللّفظ عن قصد واختيار ، وعدم رضاه بوقوعه  لظنّه أنّه لا يقع لا أثر له لخطأ ظنّه ، وقال النّوويّ في الرّوضة : تطلق عند الأصحاب ، وفيه احتمال لإمام الحرمين وهذا في الجملة . وينظر تفصيل ذلك في ( طلاق ) .

 

5 - احتجاب القاضي :

9 - لا يجوز للقاضي أن يحتجب عن النّاس من غير عذر إلاّ في أوقات استراحته لما روي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : { من ولي من أمر النّاس شيئا فاحتجب دون خلّتهم وحاجتهم وفاقتهم احتجب اللّه دون خلّته وفاقته وحاجته وفقره } . وكره الشّافعيّة والحنابلة أن يتّخذ القاضي حاجبا ، لأنّ حاجبه ربّما قدّم المتأخّر وأخّر المتقدّم ، فإن دعت حاجة إلى ذلك اتّخذ أمينا بعيدا من الطّمع . وأجاز المالكيّة والحنفيّة أن يتّخذ القاضي حاجبا لمنع دخول من لا حاجة له وتأخير من جاء بعد حتّى يفرغ السّابق من قضيّته . أمّا الأمير فإنّه يجوز له أن يتّخذ حاجبا ، لأنّه ينظر في جميع المصالح فتدعوه الحاجة إلى أن يجعل لكلّ مصلحة وقتا لا يدخل فيه أحد . وينظر تفصيل ذلك في ( حاجب )

 

6 - الشّهادة بالسّماع من وراء حجاب :

10 - مدرك العلم الّذي تقع به الشّهادة الرّؤية والسّماع ، والرّؤية تكون في المشهود عليه من الأفعال كالجناية والغصب والزّنى والسّرقة وغيرها ممّا يدرك بالعين ، لأنّها لا تدرك إلاّ بها ، وإن كان المشهود عليه من العقود فقد اختلف الفقهاء هل لا بدّ من الرّؤية والسّماع ؟ أم يكفي السّماع فقط ؟ فعند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة يكفي السّماع إذا عرف القائل وتحقّق أنّه كلامه جاء في فتح القدير : لو سمع من وراء حجاب كثيف لا يشفّ من ورائه لا يجوز له أن يشهد ، ولو شهد وفسّره للقاضي بأن قال : سمعته باع ولم أر شخصه حين تكلّم لا يقبله ، لأنّ النّغمة تشبه النّغمة ، إلاّ إذا أحاط بعلم ذلك ، لأنّ المسوّغ هو العلم غير أنّ رؤيته متكلّما بالعقد طريق العلم ، فإذا فرض تحقّق طريق آخر جاز ، وذلك بأن يكون دخل البيت فرآه فيه وعلم أنّه ليس به أحد غيره ولا منفذ غير الباب ، وهو قد جلس عليه وسمع الإقرار أو البيع ، فإنّه حينئذ  يجوز له الشّهادة عليه بما سمع ، لأنّه حصل به العلم في هذه الصّورة . أمّا عند الشّافعيّة فلا بدّ من الرّؤية مع السّماع وهذا في الجملة . كما أنّه لا يجوز أن يشهد إنسان على منتقبة حتّى تكشف عن وجهها ليشهد على عينها ووصفها لتتعيّن لأداء الشّهادة عليها وذلك لا يكون مع الانتقاب ، وهذا في الجملة . وتفصيل ذلك في ( شهادة ) . وينظر تفصيل ما تقبل فيه الشّهادة بالسّماع في مصطلح : ( تسامع ) .

 

ثانيا : استعمال الحجاب في المعاني :

11 - يستعمل لفظ الحجاب مجازا في المعاني وذلك كما جاء في حديث { معاذ بن جبل لمّا بعثه النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وقال له : ... واتّق دعوة المظلوم فإنّه ليس بينه وبين اللّه حجاب } . قال ابن حجر : قوله ( حجاب ) أي ليس لها صارف يصرفها ولا مانع والمراد أنّها مقبولة وإن كان عاصيا ، وليس المراد أنّ للّه تعالى حجابا يحجبه عن النّاس ، وقال الطّيبيّ : ليس بينها وبين اللّه حجاب تعليل للاتّقاء وتمثيل للدّعاء كمن يقصد دار السّلطان متظلّما فلا يحجب . وقال الحافظ العلائيّ : المراد بالحاجب والحجاب نفي عدم إجابة دعاء المظلوم ثمّ استعار الحجاب للرّدّ ، فكان نفيه دليلا على ثبوت الإجابة ، والتّعبير بنفي الحجاب أبلغ من التّعبير بالقبول ، لأنّ الحجاب من شأنه المنع من الوصول إلى المقصود فاستعير نفيه لعدم المنع . ومن ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وسلم : { ما منكم من أحد إلاّ سيكلّمه ربّه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه } .

 

2 - الحجب في الميراث :

12 - الحجب في الميراث معناه شرعا : منع من قام به سبب الإرث بالكلّيّة أو من أوفر حظّيه ، ويسمّى الأوّل حجب حرمان ، والثّاني حجب نقصان . وحجب الحرمان قسمان ، حجب بالوصف ويسمّى منعا كالقتل والرّقّ ، ويمكن دخوله  على جميع الورثة . وحجب بالشّخص أو الاستغراق ، كالأخ لأبوين أو لأب يحجبه الأب والابن وابن الابن . وحجب النّقصان كحجب الولد الزّوج من النّصف إلى الرّبع . وتفصيل ذلك ينظر في ( إرث - حاجب ) .

منبع:دائره المعارف فقهي كويت/ج۱۷

نوشته شده توسط سرگروه الهیات در شنبه سی و یکم شهریور 1386 ساعت 0:20 | لینک ثابت |
جنّ *

التّعريف :

1 - الجنّ خلاف الإنس ، والجانّ : الواحد من الجنّ ، يقال : جنّه اللّيل وجنّ عليه وأجنّه : إذا ستره . وكلّ شيء ستر عنك فقد جنّ عنك .

قال ابن منظور : وبه سمّي الجنّ لاستتارهم واختفائهم عن الأبصار ، ومنه سمّي الجنين لاستتاره في بطن أمّه .

وكان أهل الجاهليّة يسمّون الملائكة جنّاً لاستتارهم عن العيون . والجنّ : أجسام ناريّة لها قوّة التّشكّل . قال اللّه تعالى : { والجَانَّ خَلَقْنَاه مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ }  .

قال البيضاويّ : الجنّ أجسام عاقلة خفيّة تغلب عليهم النّاريّة أو الهوائيّة . وقال أبو عليّ بن سينا : الجنّ حيوان هوائيّ يتشكّل بأشكال مختلفة . ولا يخرج الاصطلاح الفقهيّ عن ذلك . 

 الألفاظ ذات الصّلة :

أ - الإنس :

2 - الإنس : جماعة النّاس ، والجمع أناس ، والإنس : البشر . الواحد إنسيّ وأنسيّ بالتّحريك ، وهم بنو آدم .

وقال في الكلّيّات : " كلّ ما يؤنس به فهو إنس " . والنّسبة بين الجنّ والإنس التّضادّ .

ب - الشّياطين :

3 - الشّياطين جمع شيطان وصيغته ( فيعال ) من شطن إذا بعد أي : بعد عن الخير ، أو من الحبل الطّويل كأنّه طال في الشّرّ . وهذا فيمن جعل النّون أصلاً ، وقيل : الشّيطان فعلان من شاط يشيط إذا هلك واحترق ، وهذا فيمن جعل النّون زائدة .

قال الأزهريّ : الأوّل أكثر . وهو من حيث العموم : العصيّ الأبيّ الممتلئ شرّاً ومكراً ، أو المتمادي في الطّغيان الممتدّ إلى العصيان . وكلّ عات متمرّد من الجنّ والإنس والدّوابّ شيطان . فبين الجنّ والشّيطان عموم وخصوص وجهيّ .

4 - ويدعى متمرّد الشّياطين " عفريتاً " . والعفريت : الخبيث المنكر الدّاهية ، ويسمّى الجنّ عفريتاً إذا بلغ الغاية في الكفر والظّلم والتّعدّي والقوّة .

قال أبو عمر بن عبد البرّ : الجنّ عند أهل الكلام واللّسان منزّلون على مراتب . فإذا ذكروا الجنّ خالصاً قالوا : جنّيّ . فإن أرادوا أنّه ممّن يسكن مع النّاس قالوا : عامر ، والجمع عمّار . فإن كان ممّن يعرض للصّبيان قالوا أرواح ، فإن خبث وتعزّم فهو شيطان ، فإن زاد على ذلك فهو مارد ، فإن زاد على ذلك وقوي أمره قالوا : عفريت ، والجمع عفاريت . وكبير الجنّ : إبليس . قال اللّه تعالى : { فَسَجَدُوا إلاّ إبليسَ كَانَ مِن الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } .

 الحكم الإجماليّ :

للجنّ أحكام عامّة وخاصّة ، وفيما يلي بيانها :

أوّلاً - الأحكام العامّة :

وجود الجنّ :

5 - ثبت وجود الجنّ بالقرآن والسّنّة وعلى ذلك انعقد الإجماع ، فمنكر وجودهم كافر لإنكاره ما علم من الدّين بالضّرورة .

قدرتهم على التّشكّل في صور شتّى :

6 - قال بدر الدّين الشّبليّ : للجنّ القدرة على التّطوّر والتّشكّل في صور الإنس والبهائم ، فيتصوّرون في صور الحيّات ، والعقارب ، وفي صور الإبل ، والبقر ، والغنم ، والخيل ، والبغال ، والحمير ، وفي صور الطّير ، وفي صور بني آدم ، كما أتى الشّيطان قريشاً في صورة سراقة بن مالك بن جعشم لمّا أرادوا الخروج إلى بدر . قال اللّه تعالى : { وإذْ زَيَّنَ لهم الشَّيطَانُ أَعْمَالَهمْ وقَالَ لا غَالِبَ لكم اليَومَ مِن النَّاسِ وإنِّي جَارٌ لكم فَلمَّا تَراءتْ الفِئتَانِ نَكَصَ على عَقِبَيهِ وقَالَ إنِّي بَرِيءٌ منكم إنِّي أَرَى ما لا تَرَونَ إنِّي أخَافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقَابِ } وكما روي أنّه تصوّر في صورة شيخ نجديّ لمّا اجتمعوا بدار النّدوة للتّشاور في أمر الرّسول صلى الله عليه وسلم هل يقتلونه ، أو يحبسونه ، أو يخرجونه ، وورد « عن أبي سعيد الخدريّ يرفعه أنّ بالمدينة نفراً من الجنّ قد أسلموا فمن رأى شيئاً من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثاً فإن بدا له بعد فليقتله فإنّه شيطان » .

قال ابن عابدين : تشكّلهم ثابت بالأحاديث ، والآثار ، والحكايات الكثيرة .

وأنكر قوم قدرة الجنّ على ذلك . وقال القاضي أبو يعلى : لا قدرة للشّياطين على تغيير خلقهم والانتقال في الصّور ، وإنّما يجوز أن يعلّمهم اللّه تعالى كلمات وضروباً من الأفعال إذا فعله وتكلّم به نقله اللّه تعالى من صورة إلى صورة .

وروي عن عمر أنّه قال : إنّ أحداً لا يستطيع أن يتغيّر عن صورته الّتي خلقه اللّه تعالى عليها ولكن لهم سحرة كسحرتكم ، فإذا رأيتم ذلك فأذنوا .

هذا ومن خصائص الجنّ أنّهم يرون الإنس ولا يراهم الإنس إلاّ نادراً ، قال اللّه تعالى : { إنَّه يَرَاكُمْ هو وقَبِيلُهُ مِنْ حَيثُ لا تَرَونَهُمْ } .

مسكن الجنّ ومأكلهم ومشربهم :

7 - غالب ما يسكن الجنّ في مواضع المعاصي والنّجاسات ، كالحمّامات ، والحشوش ، والمزابل ، والقمّامين . فعن زيد بن أرقم عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إنّ هذه الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الخبث والخبائث » . والمحضرة مكان حضور الجنّ والشّياطين .

وقد جاءت الآثار بالنّهي عن الصّلاة في هذه الأماكن .

8- ومن أزواد الجنّ العظام . ففي الحديث أنّ « الجنّ سألوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الزّاد فقال : كلّ عظم يذكر اسم اللّه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحماً ، وكلّ بعرة أو روثة علف لدوابّكم » . وقد « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بالعظم والرّوث وقال : إنّه زاد إخوانكم من الجنّ » .

تكليف الجنّ ودخولهم في عموم بعثة محمّد صلى الله عليه وسلم :

9 - اتّفق العلماء على أنّ الجنّ مكلّفون مخاطبون لقوله تعالى : { وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ } وقوله تعالى : { قُلْ أُوحِيَ إليَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِن الجِنِّ فَقَالُوا إنِّا سَمِعْنَا قُرْآنَاً عَجَبَاً يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أحَدَاً } وقوله تعالى : { يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنسِ إنْ اسْتَطَعْتُمْ ... } إلى قوله تعالى { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } إلى غير ذلك من الآيات الدّالّة على تكليفهم وأنّهم مأمورون منهيّون . ولما في القرآن من ذمّ الشّياطين ولعنهم ، والتّحرّز من غوائلهم وشرّهم ، وذكر ما أعدّ اللّه لهم من العذاب ، وهذه لا تكون إلاّ لمن خالف الأمر والنّهي ، وارتكب الكبائر ، وهتك المحارم ، مع تمكّنه من أن لا يفعل ذلك ، وقدرته على فعل خلافه .

قال القاضي عبد الجبّار : لا نعلم خلافاً بين أهل النّظر في أنّ الجنّ مكلّفون .

وحكي عن الحشويّة أنّهم مضطرّون إلى أفعالهم ، وأنّهم ليسوا مكلّفين .

10 - وأجمع العلماء على دخول الجنّ في عموم  بعثة النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأنّ اللّه تعالى أرسل محمّداً صلى الله عليه وسلم إلى الجنّ والإنس ففي الصّحيحين من حديث جابر بن عبد اللّه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « أعطيت خمساً لم يعطهنّ أحد من الأنبياء قبلي » وحديث « كان النّبيّ يبعث إلى خاصّة قومه وبعثت أنا إلى الجنّ والإنس » قال ابن عقيل : والجنّ داخلون في مسمّى النّاس لغة . ويقول الفيّوميّ : يطلق لفظ النّاس على الجنّ والإنس . قال تعالى : { الَّذي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النَّاسِ } ثمّ فسّر النّاس بالجنّ والإنس فقال : { مِن الجِنَّةِ والنَّاسِ } .

ثواب الجنّ على أعمالهم :

11 - ذهب جمهور العلماء إلى أنّ الجنّ يثابون على الطّاعة ويعاقبون على المعصية ، لقوله تعالى : { وأنَّا مِنَّا المُسْلِمونَ ومِنَّا القَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فأولئكَ تَحَرَّوا رَشَدَاً وأمَّا القَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبَاً } وقوله تعالى : { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا }

وقوله تعالى : { لمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهمْ ولا جَانٌّ } .

وحكى ابن حزم وغيره عن أبي حنيفة أنّه قال : لا ثواب لهم إلاّ النّجاة من النّار لأنّه جاء في القرآن فيهم { يَغفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } والمغفرة لا تستلزم الإثابة ، لأنّ المغفرة ستر .

وروي عن ليث بن أبي سليم  قال : ثواب الجنّ أن يجاروا من النّار ، ثمّ يقال لهم : كونوا تراباً ، وروي عن أبي الزّناد قال : إذا دخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النّار النّار قال اللّه تعالى : لمؤمني الجنّ وسائر الأمم : كونوا تراباً ، فحينئذ يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً .

ثمّ إنّ العلماء اتّفقوا على أنّ كافر الجنّ يعذّب في الآخرة ، كما ذكر اللّه تعالى في كتابه  العزيز : { وأمَّا القَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبَاً } وقوله تعالى : { والنَّارُ مَثوى لَهُمْ }

دخول الجنّ في بدن الإنسان :

12 - قال أبو الحسن الأشعريّ : اختلف النّاس في الجنّ ، هل يدخلون في النّاس ؟ على مقالتين : فقال قائلون : محال أن يدخل الجنّ في النّاس .

وقال قائلون : يجوز أن يدخل الجنّ في النّاس ، ولحديث : « اخرج عدوّ اللّه فإنّي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم » ولأنّ أجسام الجنّ أجسام رقيقة ، فليس بمستنكر أن يدخلوا في جوف الإنسان من خروقه ، كما يدخل الماء والطّعام في بطن الإنسان ، وهو أكثف من أجسام الجنّ ، ولا يؤدّي ذلك إلى اجتماع الجواهر في حيّز واحد ، لأنّها لا تجتمع إلاّ على طريق المجاورة لا على سبيل الحلول ، وإنّما تدخل أجسامنا كما يدخل الجسم الرّقيق في المظروف.

رواية الجنّ للحديث :

13 - تجوز رواية الجنّ عن الإنس ما سمعوه منهم ، أو قرئ عليهم وهم يسمعون ، سواء علم الإنس بحضورهم أم لا . لقوله تعالى : { قُلْ أُوحِيَ إليَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِن الجِنِّ } الآيات ، وقوله : { وإذْ صَرَفْنَا إليكَ نَفَرَاً مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرآنَ فَلَمَّا حَضَرُوه قالوا أَنْصِتُوا فلمَّا قُضِيَ ولَّوا إلى قَومِهمْ مُنْذِرِينَ قَالوا يا قَومَنَا ... } فإذا جاز أن يبلّغوا القرآن جاز أن يبلّغوا الحديث . وكذا إذا أجاز الشّيخ من حضر أو سمع دخلوا في إجازته ، وإن لم يعلم به ، كما في نظير ذلك من الإنس .

وأمّا رواية الإنس عنهم : فقال السّيوطيّ : الظّاهر منعها ، لعدم حصول الثّقة بعدالتهم .

الذّبح للجنّ :

14 - ما ذبح للجنّ وعلى اسمهم فلا يحلّ ، لقوله تعالى : { حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ المَيتَةُ } إلى قوله  { وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ ... } قال يحيى بن يحيى : قال لي وهب : استنبط بعض الخلفاء عينا وأراد إجراءها وذبح للجنّ عليها لئلاّ يغوروا ماءها فأطعم ذلك ناسا ، فبلغ ذلك ابن شهاب ، فقال : أمّا إنّه قد ذبح ما لم يحلّ له ، وأطعم النّاس ما لا يحلّ لهم . فقد « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن ذبائح الجنّ » .

الأذكار الّتي يعتصم بها من الشّياطين مردة الجنّ ويستدفع بها شرّهم :

15 - وذلك في عشرة حروز - كما قال صاحب الآكام -

أحدها : الاستعاذة باللّه من الجنّ ، قال تعالى : { وإمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِن الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ باللَّهِ إنَّه هو السَّمِيعُ العَلِيمُ } ، وفي موضع آخر : { وإمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِن الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ } وفي الصّحيح « أنّ رجلين استبّا عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم حتّى احمرّ وجه أحدهما فقال صلى الله عليه وسلم : إنّي لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد : أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم » .

الثّاني : قراءة المعوّذتين . فقد روى التّرمذيّ من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يتعوّذ من الجانّ وعين الإنسان حتّى نزلت المعوّذتان فلمّا نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما » .

الثّالث : قراءة آية الكرسيّ . فعن « أبي هريرة قال : وكّلني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت ، فجعل يحثو من الطّعام ، فأخذته فقلت لأرفعنّك إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . فقال : أعلّمك كلمات ينفعك اللّه بهنّ . قلت : ما هي ؟ قال : إذا آويت إلى فراشك فاقرأ هذه الآية : { اللَّهُ لا إلهَ إلاّ هوَ الحَيُّ القَيُّومُ } ... حتّى ختم الآية فإنّه لن يزال عليك حافظ من اللّه تعالى ولا يقربك شيطان حتّى تصبح . فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : ما فعل أسيرك اللّيلة ؟ قلت : يا رسول اللّه علّمني شيئا زعم أنّ اللّه تعالى ينفعني به . قال : وما هو ؟ قال : أمرني أن أقرأ آية الكرسيّ إذا آويت إلى فراشي ، زعم أنّه لا يقربني حتّى أصبح ،  ولا يزال عليّ من اللّه تعالى حافظ . فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : أما إنّه قد صدقك وهو كذوب ، ذاك الشّيطان » .

الرّابع : قراءة سورة البقرة ، ففي الصّحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « لا تجعلوا بيوتكم مقابر ، وإنّ الشّيطان ينفر من البيت الّذي تقرأ فيه سورة البقرة » .

الخامس : خاتمة سورة البقرة ، فعن أبي مسعود الأنصاريّ رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه »

وعن النّعمان بن بشير رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إنّ اللّه كتب كتاباً قبل أن يخلق السّموات والأرض بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ، ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقرّ بها شيطان » .

السّادس : أوّل سورة حم المؤمن ( غافر ) - إلى قوله - { إليه المصير } ، مع آية الكرسيّ ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : من قرأ حم المؤمن إلى قوله : { إليه المصير } وآية الكرسيّ حين يصبح حفظ بهما حتّى يمسي ، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتّى يصبح » .

السّابع : " لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كلّ شيء قدير " مائة مرّة . فعن أبي هريرة رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : من قال لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كلّ شيء قدير في يوم مائة مرّة ، كانت له عدل عشر رقاب ، وكتب له مائة حسنة ، ومحيت عنه مائة سيّئة ، وكانت له حرزاً من الشّيطان يومه ذلك حتّى يمسي ، ولم يأت أحد أفضل ممّا جاء به إلاّ أحد عمل أكثر من ذلك » .

الثّامن : كثرة ذكر اللّه عزّ وجلّ ، فعن  الحارث الأشعريّ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : إنّ اللّه تعالى أمر يحيى بن زكريّا عليه السلام بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها ، وإنّه كاد أن يبطئ بها فقال عيسى : إنّ اللّه أمرك بخمس كلمات لتعمل بها ، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها ، فإمّا أن تأمرهم ، وإمّا أنا آمرهم فقال يحيى عليه السلام : أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي أو أعذّب . فجمع النّاس في بيت المقدس فامتلأ المسجد وقعدوا على الشّرف . فقال : إنّ اللّه أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهنّ وآمركم أن تعملوا بهنّ . أوّلهنّ : أن تعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئاً ، وإنّ مثل من أشرك باللّه كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله بذهب أو ورق ، فقال : هذه داري وهذا عملي فاعمل وأدّ إليّ فكان يعمل ويؤدّي إلى غير سيّده ، فأيّكم يرضى أن يكون عبده كذلك ؟ وأنّ اللّه أمركم بالصّلاة فإذا صلّيتم فلا تلتفتوا فإنّ اللّه تعالى ينصب وجهه بوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت ، وآمركم بالصّيام فإنّ مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرّة فيها مسك فكلّهم يعجب أو يعجبه ريحها ، وإنّ ريح الصّائم أطيب عند اللّه تعالى من ريح المسك ، وآمركم بالصّدقة فإنّ مثل ذلك كمثل رجل أسره العدوّ فأوثقوا يده إلى عنقه وقدّموه ليضربوا عنقه ، فقال : أنا أفديه منكم بالقليل والكثير ففدى نفسه منهم . وآمركم أن تذكروا اللّه تعالى ، فإنّ مثل ذلك كمثل رجل خرج العدوّ في أثره سراعاً حتّى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم ، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشّيطان إلاّ بذكر اللّه تعالى » . الحديث . التّاسع الوضوء : وهو من أعظم ما يتحرّز به لا سيّما عند ثوران قوّة الغضب والشّهوة فإنّها نار تغلي في قلب ابن آدم ، فعن أبي سعيد الخدريّ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : ألا وإنّ الغضب جمرة في قلب ابن آدم ، أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه ، فمن أحسّ بشيء من ذلك فليلصق بالأرض » وقال صلى الله عليه وسلم : « إنّ الغضب من الشّيطان ، وإنّ الشّيطان خلق من النّار ، وإنّما تطفأ النّار بالماء ، فإذا غضب أحدكم فليتوضّأ » . 

العاشر : إمساك فضول النّظر والكلام والطّعام ومخالطة النّاس ، فإنّ الشّيطان إنّما يتسلّط على ابن آدم من هذه الأبواب الأربعة ، ففي مسند الإمام أحمد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « النّظرة سهم مسموم من سهام إبليس ، من تركها من مخافتي أبدلته إيماناً يجد له حلاوة في قلبه » .

وزاد الإمام النّوويّ الأذان ، ففي صحيح مسلم عن سهيل بن أبي صالح أنّه قال : أرسلني أبي إلى بني حارثة ومعي غلام لنا أو صاحب لنا ، فناداه مناد من حائط باسمه ، وأشرف الّذي معي على الحائط فلم ير شيئاً ، فذكرت ذلك لأبي ، فقال : لو شعرت أنّك تلقى هذا لم أرسلك ، ولكن إذا سمعت صوتاً فناد بالصّلاة . فإنّي سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يحدّث عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إنّ الشّيطان إذا نودي بالصّلاة ولّى وله حصاص » كما أنّه نصّ على أنّ مطلق القرآن يعصم من الشّياطين . قال تعالى : { وإذا قَرَأتَ القُرآنَ جَعَلْنَا بَينَكَ وبَينَ الَّذينَ لا يُؤمنونَ بالآخِرَةِ حِجَابَاً مَسْتُورَاً } .

منبع:دائره المعارف فقهی کویت

نوشته شده توسط سرگروه الهیات در یکشنبه چهارم شهریور 1386 ساعت 5:52 | لینک ثابت |

تعزية *

التّعريف :

1 - التّعزية لغة : مصدر عزّى : إذا صبّر المصاب وواساه .

ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ وقال الشّربينيّ : هي الأمر بالصّبر والحمل عليه بوعد الأجر ، والتّحذير من الوزر ، والدّعاء للميّت بالمغفرة ،وللمصاب بجبر المصيبة. 

 الحكم التّكليفيّ :

2 - لا خلاف بين الفقهاء في استحباب التّعزية لمن أصابته مصيبة .

والأصل في مشروعيّتها : خبر : « من عزّى مصاباً فله مثل أجره » . 

وخبر « ما من مؤمن يعزّي أخاه بمصيبة إلّا كساه اللّه من حلل الكرامة يوم القيامة » .

كيفيّة التّعزية ولمن تكون :

3 - يعزّى أهل المصيبة ، كبارهم وصغارهم ، ذكورهم وإناثهم ، إلا الصّبيّ الّذي لا يعقل ، والشّابّة من النّساء ، فلا يعزّيها إلا النّساء ومحارمها ، خوفاً من الفتنة .

ونقل ابن عابدين عن شرح المنية : تستحبّ التّعزية للرّجال والنّساء اللاتي لا يفتنّ .

وقال الدّردير : وندب تعزية لأهل الميّت إلا مخشيّة الفتنة .

مدّة التّعزية :

4 - جمهور الفقهاء : على أنّ مدّة التّعزية ثلاثة أيّام .

واستدلّوا لذلك بإذن الشّارع في الإحداد في الثّلاث فقط ، بقوله صلى الله عليه وسلم : « لا يحلّ لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث ، إلّا على زوج : أربعة أشهر وعشرا » وتكره بعدها ، لأنّ المقصود منها سكون قلب المصاب ، والغالب سكونه بعد الثّلاثة ، فلا يجدّد له الحزن بالتّعزية ، إلا إذا كان أحدهما ( المعزّى أو المعزّي ) غائباً ، فلم يحضر إلا بعد الثّلاثة ، فإنّه يعزّيه بعد الثّلاثة . وحكى إمام الحرمين وجها وهو قول بعض الحنابلة : أنّه لا أمد للتّعزية ، بل تبقى بعد ثلاثة أيّام ، لأنّ الغرض الدّعاء ، والحمل على الصّبر ، والنّهي عن الجزع ، وذلك يحصل على طول الزّمان .

وقت التّعزية :

5 - ذهب جمهور الفقهاء : إلى أنّ الأفضل في التّعزية أن تكون بعد الدّفن ، لأنّ أهل الميّت قبل الدّفن مشغولون بتجهيزه ، ولأنّ وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر ، فكان ذلك الوقت أولى بالتّعزية . وقال جمهور الشّافعيّة : إلا أن يظهر من أهل الميّت شدّة جزع قبل الدّفن ، فتعجّل التّعزية ، ليذهب جزعهم أو يخفّ . وحكي عن الثّوريّ : أنّه تكره التّعزية بعد الدّفن .

مكان التّعزية :

6 - كره الفقهاء الجلوس للتّعزية في المسجد .

وكره الشّافعيّة والحنابلة الجلوس للتّعزية ،  بأن يجتمع أهل الميّت في مكان ليأتي إليهم النّاس للتّعزية ، لأنّه محدث وهو بدعة ، ولأنّه يجدّد الحزن . ووافقهم الحنفيّة على كراهة الجلوس للتّعزية على باب الدّار ، إذا اشتمل على ارتكاب محظور ، كفرش البسط والأطعمة من أهل الميّت . ونقل الطّحطاويّ عن شرح السّيّد أنّه لا بأس بالجلوس لها ثلاثة أيّام من غير ارتكاب محظور . وذهب المالكيّة : إلى أنّ الأفضل كون التّعزية في بيت المصاب . وقال بعض الحنابلة : إنّما المكروه البيتوتة عند أهل الميّت ، وأن يجلس إليهم من عزّى مرّة ، أو يستديم المعزّي الجلوس زيادة كثيرة على قدر التّعزية .

صيغة التّعزية :

7 - قال ابن قدامة : لا نعلم في التّعزية شيئاً محدوداً ، إلا ما روي أنّ الإمام أحمد قال : يروى « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عزّى رجلاً فقال : رحمك اللّه وآجرك » .

وعزّى أحمد أبا طالب ( أحد أصحابه ) فوقف على باب المسجد فقال : أعظم اللّه أجركم وأحسن عزاءكم . وقال بعض أصحابنا إذا عزّى مسلما بمسلم قال : أعظم اللّه أجرك ، وأحسن عزاك ، ورحم اللّه ميّتك . واستحبّ بعض أهل العلم : أن يقول ما روى جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : « لمّا توفّي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وجاءت التّعزية ، سمعوا قائلاً يقول : إنّ في اللّه عزاء من كلّ مصيبة ، وخلفاً من كلّ هالك ، ودركاً من كلّ ما فات ، فباللّه فثقوا ، وإيّاه فارجوا ، فإنّ المصاب من حرم الثّواب » .

وهل يعزّى المسلم بالكافر أو العكس ؟

8 - ذهب الأئمّة : الشّافعيّ ، وأبو حنيفة في رواية عنه : إلى أنّه يعزّى المسلم بالكافر ، وبالعكس ، والكافر غير الحربيّ . وذهب الإمام مالك : إلى أنّه لا يعزّى المسلم بالكافر . وقال ابن قدامة من الحنابلة : إن عزّى مسلما بكافر قال : أعظم اللّه أجرك وأحسن عزاءك.

صنع الطّعام لأهل الميّت :

9 - يسنّ لجيران أهل الميّت أن يصنعوا طعاما لهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم :

« اصنعوا لأهل جعفر طعاما ، فإنّه قد جاءهم ما يشغلهم » .

ويكره أن يصنع أهل الميّت طعاما للنّاس ، لأنّ فيه زيادة على مصيبتهم ، وشغلاً على شغلهم ، وتشبّها بأهل الجاهليّة ، لخبر جرير بن عبد اللّه البجليّ رضي الله عنه : كنّا نعدّ الاجتماع إلى أهل الميّت ، وصنيعة الطّعام بعد دفنه من النّياحة .

منبع:دائره المعارف فقهی کویت/ج۱۲

نوشته شده توسط سرگروه الهیات در جمعه دوازدهم مرداد 1386 ساعت 9:57 | لینک ثابت |

مأتَم *

التّعريف :

1 - المأتم في اللغة : مجتمع الرّجال والنّساء في الغمّ والفرح , ثمّ خصّ به اجتماع النّساء للموت , وقيل : هو للشّوابّ من النّساء لا غير , والعامّة تخصه بالمصيبة .

والمأتم عند الفقهاء هو : اجتماع النّاس في الموت .

الألفاظ ذات الصّلة :

التّعزية :

2 - التّعزية في اللغة : مصدر عَزّى والثلاثي منه عَزِي أي : صبر على ما نابه , يقال : عزّيته تعزيةً : قلت له : أحسن اللّه عزاءك , أي رزقك الصّبر الحسن , والعزاء اسم من ذلك , ويقال تعزّى هو : تصبّر , وشعاره أن يقول : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون .

قال الأزهري : أصلها التّعبير لمن أصيب بمن يعز عليه .

والتّعزية اصطلاحاً : الأمر بالصّبر والحمل عليه بوعد الأجر والتّحذير من الوزر بالجزع , والدعاء للميّت بالمغفرة , وللمصاب بجبر المصيبة .

والتّعزية أخص من المأتم .

الحكم الإجمالي :

3 - يرى الشّافعيّة والحنابلة وكثير من متأخّري الحنفيّة كراهة المأتم .

جاء في المجموع : وأمّا الجلوس للتّعزية فنصّ الشّافعي وسائر الأصحاب على كراهته , قالوا : يعنى بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميّت في بيتٍ فيقصدهم من أراد التّعزية , قالوا : بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم , فمن صادفهم عزّاهم , ولا فرق بين الرّجال والنّساء في كراهة الجلوس لها , قال الشّافعي في الأمّ : وأكره المأتم وهي الجماعة , وإن لم يكن لهم بكاء فإنّ ذلك يجدّد الحزن ويكلّف المؤنة .

وقال البهوتيّ : ويكره الجلوس لها أي للتّعزية , بأن يجلس المصاب في مكانٍ يعزوه , أو يجلس المعزّي عند المصاب للتّعزية , لما في ذلك من استدامة الحزن , وقال نقلاً عن الفصول : يكره الاجتماع بعد خروج الروح لتهييجه الحزن .

وقال ابن عابدين نقلاً عن الإمداد : وقال كثير من متأخّري أئمّتنا : يكره الاجتماع عند صاحب البيت , ويكره له الجلوس في بيته حتّى يأتي إليه من يعزّي , بل إذا فرغ ورجع النّاس من الدّفن فليتفرّقوا ويشتغل النّاس بأمورهم وصاحب البيت بأمره .

وعند المالكيّة وبعض الحنفيّة : يجوز أن يجلس الرّجل للتّعزية كما فعل النّبي صلى الله عليه وسلم حين جاء خبر جعفرٍ , وزيد بن حارثة , وعبد اللّه بن رواحة , ومن قتل معهم رضي الله عنهم بمؤتة , وواسع كونها قبل الدّفن وبعده , والأولى عند رجوع الوليّ إلى بيته , وقال المالكيّة : كره اجتماع نساءٍ لبكاء سرّاً , ومنع جهراً كالقول القبيح مطلقاً .

وذهب الحنفيّة إلى أنّه يجوز الجلوس للمصيبة ثلاثة أيّامٍ , وهو خلاف الأولى , ويكره في المسجد , وفي الأحكام عن خزانة الفتاوى : الجلوس في المصيبة ثلاثة أيّامٍ للرّجال جاءت الرخصة فيه , ولا تجلس النّساء قطعاً .

( ر : تعزية ف 6 ) .

منبع:دائره المعارف فقهی کویت/ج۳۶

نوشته شده توسط سرگروه الهیات در جمعه دوازدهم مرداد 1386 ساعت 9:47 | لینک ثابت |

 

 

ملائكة *

التّعريف :

1 - الملائكة جمع المَلَك بفتحتين , وهو واحد الملائكة , قيل : مخفّف من مالك , قال الكسائي : أصله مألك بتقديم الهمزة من الألوك وهي الرّسالة , ثمّ قلبت وقدّمت اللّام وقيل : أصله الملك بفتح ثمّ سكون : وهو الأخذ بقوّة , وأصل وزنه مفعل فتركت الهمزة لكثرة الاستعمال وظهرت في الجمع , وزيدت الهاء إمّا للمبالغة وإمّا لتأنيث الجمع .

وفي الاصطلاح : المَلَك جسم لطيف نورانيّ يتشكّل بأشكال مختلفة , ومسكنها السّماوات . الألفاظ ذات الصّلة :

أ - الإنس :

2 - الإنس في اللغة : جماعة النّاس , والواحد إنسيّ وأنسيّ بالتّحريك , وهم بنو آدم , والإنسي يقتضي مخالفة الوحشيّ , والنّاس يقولون : إنسيّ ووحشيّ .

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ .

والفرق بين الملائكة والإنس : أنّ الملائكة خلقوا من نور , ولا يأكلون ولا يشربون , ويعبدون اللّه ويطيعونه , قال اللّه تعالى : { بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } , وليس كذلك الإنس .

ب - الجن :

3 - الجن في اللغة : خلاف الإنس , والجان : الواحدة من الجنّ , وكان أهل الجاهليّة يسمون الملائكة جناً لاستتارهم عن العيون , يقال : جنّ اللّيل : إذا ستر .

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ . 

والصّلة بين الملائكة والجنّ أنّ كلاً منهما له قوّة التّشكل بأشكال مختلفة .

الحكم الإجمالي للملائكة :

وردت في الملائكة أحكام منها :

أوّلاً - الإيمان بالملائكة :

4 - من أركان العقيدة الإسلاميّة الإيمان بالملائكة , قال اللّه تعالى : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } , وقال اللّه تعالى : { وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً } .

وفي حديث عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه عندما سأل جبريل عليه السلام عن الإيمان , قال صلى الله عليه وسلم : « أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه » .

فوجود الملائكة ثابت بالدّليل القطعيّ الّذي لا يمكن أن يلحقه شك , ومن هنا كان إنكار وجودهم كفراً بإجماع المسلمين , بل ينص على ذلك القرآن الكريم كما دلّت عليه الآية السّابقة .

ثانياً - صفاتهم الخلقيّة :

5 - أخبرنا ربنا سبحانه أنّ الملائكة خلقوا قبل آدم عليه السلام , قال اللّه تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } .

كما أخبرنا النّبي صلى الله عليه وسلم أنّ اللّه خلق الملائكة من نور , فقد ورد عن عائشة رضي الله عنها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « خُلقت الملائكة من نور , وخلق الجان من مارج من نار , وخلق آدم ممّا وصف لكم » .

فتدل النصوص في مجموعها على أنّ الملائكة مخلوقات نورانيّة ليس لها جسم مادّيّ يدرك بالحوّاس الإنسانيّة , وأنّهم ليسوا  كالبشر فلا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يتزوّجون, مطهّرون من الشّهوات الحيوانيّة , ومنزّهون عن الآثام والخطايا , ولا يتّصفون بشيء من الصّفات المادّيّة الّتي يتّصف بها ابن آدم غير أنّ لهم القدرة على أن يتمثّلوا بصور البشر بإذن اللّه تعالى .

ثالثاً - عبادة الملائكة للّه وما وكّل إليهم من أعمال :

6 - علاقة الملائكة باللّه هي علاقة العبوديّة الخالصة والطّاعة والامتثال والخضوع المطلق لأوامره عزّ وجلّ , قال تعالى : { لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } , وقد وصفهم اللّه بأنّهم لا يستكبرون عن عبادته , قال اللّه تعالى : { لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ } .

وهم منقطعون دائماً لعبادة اللّه وطاعة أمره , كما ورد في الآيتين السّابقتين .

وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « ما في السّماوات السّبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلّا وفيه ملك قائم أو ملك راكع أو ملك ساجد , فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعاً : سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك إلّا أنَّا لم نشرك بك شيئاً » .

7 - قال ابن القيّم : دلّ الكتاب والسنّة على أصناف الملائكة , وأنّها موكّلة بأصناف المخلوقات , وأنّه سبحانه وكّل بالجبال ملائكةً , ووكّل بالسّحاب ملائكةً , ووكّل بالرّحم ملائكةً تدبّر أمر النطفة حتّى يتمّ خلقها , ثمّ وكّل بالعبد ملائكةً لحفظه , وملائكةً لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته , ووكّل بالموت ملائكةً , ووكّل بالسؤال في القبر ملائكةً , ووكّل بالأفلاك ملائكةً يحرّكونها , ووكّل بالشّمس والقمر ملائكةً , ووكّل بالنّار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكةً , ووكّل بالجنّة وعمارتها وغراسها وعمل الأنهار فيها ملائكةً , فالملائكة أعظم جنود اللّه تعالى , ومنهم : { وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفاً، فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ، وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً ، فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً ، فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً } ومنهم : { وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً، وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ، وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً، فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً ، فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً } ,

ومنهم : { وَالصَّافَّاتِ صَفّاً ، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً ، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً } .

ومنهم : ملائكة الرّحمة وملائكة العذاب , وملائكة قد وكّلوا بحمل العرش , وملائكة قد وكّلوا بعمارة السّماوات بالصّلاة والتّسبيح والتّقديس , إلى غير ذلك من أصناف الملائكة الّتي لا يحصيها إلّا اللّه تعالى .

ولفظ الملك يشعر بأنّه رسول منفّذ لأمر غيره , فليس لهم من الأمر شيء , بل الأمر كله للّه الواحد القهّار , وهم ينفّذون أمره { لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } , { يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } , { لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } .

ولا تتنزّل الملائكة إلّا بأمر اللّه , ولا تفعل شيئاً إلّا من بعد إذنه .

ورؤساؤهم الأملاك الثّلاث : جبريل , وميكائيل , وإسرافيل , وكان النّبي يقول : « اللّهمّ ربّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل , فاطر السّماوات والأرض , عالم الغيب والشّهادة , أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون , اهدني لما أختلف فيه من الحقّ بإذنك , إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم » .

فتوسّل إليه سبحانه بربوبيّته العامّة والخاصّة لهؤلاء الأملاك الثّلاثة الموكّلين بالحياة . فجبريل موكّل بالوحي الّذي به حياة القلوب والأرواح , وميكائيل وكّل بالقطر الّذي به حياة الأرض والنّبات والحيوان , وإسرافيل موكّل بالنّفخ في الصور الّذي به حياة الخلق بعد مماتهم .

رابعاً - تفضيل الملائكة :

8 - قال ابن عابدين من الحنفيّة نقلاً عن الزّندوستيّ : أجمعت الأمّة على أنّ الأنبياء أفضل الخليقة , وأنّ نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم أفضلهم , وأنّ أفضل الخلائق بعد الأنبياء الملائكة الأربعة وحملة العرش والروحانيون ورضوان ومالك , وأنّ الصّحابة والتّابعين والشّهداء والصّالحين أفضل من سائر الملائكة .

واختلفوا بعد ذلك , فقال الإمام أبو حنيفة : سائر النّاس من المسلمين أفضل من سائر الملائكة , وقال محمّد وأبو يوسف : سائر الملائكة أفضل .

خامساً - سب الملائكة :

9 - اتّفق الفقهاء على أنّ من سبّ أنبياء اللّه تعالى أو ملائكته - الوارد ذكرهم في الكتاب الكريم والسنّة الصّحيحة - أو استخفّ بهم أو كذّبهم فيما أتوا به أو أنكر وجودهم وجحد نزولهم قتل كفراً .

واختلفوا هل يستتاب أم لا ؟

فقال الجمهور : يستتاب وجوباً أو استحباباً على خلاف بينهم .

وعند المالكيّة : لا يستتاب على المشهور .

قال الدسوقي : قتل ولم يستتب - أيّ بلا طلب أو بلا قبول توبة منه - حداً إن تاب وإلّا قتل كفراً , إلّا أن يسلم الكافر فلا يقتل لأنّ الإسلام يجب ما قبله .

قال الموّاق : وهذا كله فيمن تحقّق كونه من الملائكة والنّبيّين كجبريل وملك الموت والزّبانية ورضوان ومنكر ونكير , فأمّا من لم تثبت الأخبار بتعيينه ولا وقع الإجماع على كونه من الملائكة أو الأنبياء , كهاروت وماروت , ولقمان وذي القرنين ومريم وأمثالهم فليس الحكم فيهم ما ذكرنا إذ لم تثبت لهم تلك الحرمة , لكن يؤدّب من تنقّصهم .

وأمّا إنكار كونهم من الملائكة أو النّبيّين فإن كان المتكلّم من أهل العلم فلا حرج , وإن كان من عوامّ النّاس زجر عن الخوض في مثل هذا , وقد كره السّلف الكلام في مثل هذا ممّا ليس تحته عمل .

( ر : ردّة ف / 16 - 17 , 35 ) .

منبع:دائره المعارف فقه كويت

نوشته شده توسط سرگروه الهیات در پنجشنبه هفتم تیر 1386 ساعت 23:14 | لینک ثابت |
Tuesday, January 16, 2007
علي عزت بيجوفيتش

Alija Izetbegovic

ولد الرئيس علي عزت بيجوفيتش عام 1344هـ/1925م في مدينة بوسانا كروبا، شمال غربي البوسنة، في أسرة عريقة في إسلامها، وتعّلم في مدارس مدينة سراييفو التي أمضى حياته فيها، وفيها أكمل تعليمه الثانوي عام 1943 والتحق بجامعتها، وحصل على الشهادة العليا في القانون عام 1950، ثم نال شهادة الدكتوراه عام 1962، وعلى شهادة عليا في الاقتصاد عام 1964، ويقرأ ويتحدث ويكتب باللغات الأجنبية: الألمانية، والفرنسية، والإنكليزية، مع إلمام جيد بالعربية.

بعد تخرجه في كلية القانون، عمل مستشاراً قانونياً مدة خمس وعشرين سنة، ثم اعتزل الحياة الوظيفية، ليتفرغ للبحث والكتابة، وينخرط في العمل العام، داعياً إلى الله على بصيرة، وبالحكمة والموعظة الحسنة، فقد فتح عينيه على مظالم ومآس وكوارث ينزلها الكفرة من الصرب الأنذال، والكروات المتعصبين على أهله وأبناء ملته، فنذر نفسه للدفاع عن إسلامه، والذّود عن قومه وأبناء دينه، فأمضى حياته كلها في ميادين العمل الإسلامي والوطني، يكتب، ويحاضر، ويشارك في المؤتمرات والندوات، ويسهر مع الصغار والكبار، لتوعيتهم وتربيتهم على الجهاد ليكونوا أهلاً لحمل رسالة الإسلام، وأبناء بررة لوطنهم الذي استباحه الملكيون المتعصبون، ثم الشيوعيون الملاحدة الحاقدون على الإسلام والمسلمين، وقد برزت أحقادهم في المذابح التي فعلوها بُعَيْدَ استلامهم السلطة بعد الحرب العالمية الثانية، ثم بعد استلام تيتو للحكم عندما بادر إلى نصب المشانق لعلماء المسلمين في يوغسلافيا، دون ذنب ارتكبوه سوى أنهم مسلمون متمسكون بإسلامهم.


شخصيته:

لم يكن الدكتور علي عزت رئيساً عادياً كسائر رؤساء الجمهوريات الذين تسلموا هذا المنصب في العالم الإسلامي، بل كان: سياسياً داهية ، ومناضلاً عنيداً ، ومفكراً عميقاً، وذا نظرة إسلامية بعيدة جعلته يتجاوز حدود البلقان، إلى سائر أنحاء العالم الإسلامي، ليحمل هموم المسلمين حيث كانوا، ويعمل مع العاملين لنهوض المسلمين، بعد تخليصهم من أوضار التخلف الذي أطمع الغرب والشرق بهم.

لقد كان الرئيس علي عزت صلباً في قلب الأحداث، لا يرضى إلا أن يكون مع أبناء شعبه، يعاني معه ما يعاني، ولهذا رفض مغادرة سراييفو، وبقي تحت الحصار الدامي.

وبعد أن اضطر إلى الموافقة على اتفاق (دايتون) استقال من رئاسة الجمهورية، ومن رئاسة الحزب، بعد أن أدّى واجبه كما لم يؤدّه أحد من الرؤساء والقادة في هذا الزمن، ليعيش مواطناً عادياً بين شعبه وفي منزله المتواضع، وبين كتبه، محامياً عن شعبه الذي يستحق التضحية من أجله.



كفاحة ضد النازية والشيوعية

كان الفتى علي عزت ذا شخصية متميزة بالجدّ والاجتهاد، والتأمل في أحوال المسلمين في بلاد البلقان، وهي أحوال متردية مادياً ومعنوياً، فالحكم الشيوعي الذي جاء بعد انهيار الحكم الملكي، كان إلحادياً، شديد الوطأة على الإسلام والمسلمين، كما كان الحكم الملكي من قبل، بل كان أشدّ وأقسى وأمرّ، وقد سمعنا من الشيخ علي يعقوب الذي أنجاه الله من مذابح الملكيين والشيوعيين وهو طفل صغير، سمعنا منه في استانبول عن بعض المذابح والأهوال التي كان يلقاها مسلمو البلقان على أيدي أولئك المجرمين من الملكيين المتعصبين لنصرانيتهم، الحاملين أحقادهم التاريخية على الإسلام والمسلمين، فهؤلاء كانوا يتفقون مع الشيوعيين على حرب المسلمين.



فكّر الفتى علي عزت فيما يمكن أن يقوم به من أجل المسلمين، فهداه تفكيره إلى إنشاء جمعية أسماها (جمعية الشبان المسلمين) ودعا إليها نفراً من زملائه الطلبة، وكان في السادسة عشرة من عمره، وكانت الجمعية أشبه بنادٍ مدرسيّ يعمل لجمع الطلبة المسلمين، وتوعيتهم، وتثقيفهم ويتحاور فيه الطلبة، ثم انتقل بالطلبة من الكلام إلى العمل، فقامت بأعمال خيرية، وثقافية، وأنشأت قسماً للفتيات المسلمات، وقدمت خدمات ومساعدات للمحتاجين إبّان الحرب الكونية الثانية، وسعت إلى بناء الشخصية المسلمة السوية الواعظة التي تفهم زمانها، وتستقيم طريقة تعايشها مع الوسط الذي تتعامل معه.


قرأ علي عزت ما وصل إليه من كتب الإخوان، وتأثر بأفكارهم، وتجاربهم، كما اطلع على تجارب الحركات الإسلامية الأخرى في الهند، وباكستان، وإندونيسيا، وقرأ بعض كتب المودودي والندوي، ورئيس وزراء إندونيسيا الأسبق الدكتور محمد ناصر، وتفاعل معها، وهو ما يزال طالباً يدرس القانون في جامعة سراييفو، وكان يتحرك في أوساط الطلبة البوشناق في الجامعة، ويحاورهم، ويقنعنهم بما اقتنع به من تلك الأفكار التي ألهمته الكثير، ودلّته على الطريق اللاحب الذي يجب أن يسير فيه، من أجل النهوض بشعبه البوشناق، وبسائر مسلمي البلقان، لتخليصهم من أتون الشيوعية الملحدة التي تريد أن تطمس هويتهم، وتقضي على دينهم الإسلامي الحنيف، وتجعلهم قطيعاً يعيش على هامش الحياة، كما تسير سائر القطعان الأخرى التي رزحت تحت وطأة الحكم الشيوعي الدموي.

ثم اجتاح هتلر بجيشه النازي يوغسلافيا واحتلها في نيسان (أبريل) 1941 وسارع بعض أبناء البلقان المتأثرين بالفكر النازي إلى تأسيس حزب (الأشتاشا) النازي، وحاول الشبان النازيون التأثير في الطلاب المسلمين، فتصدّى لهم الطالب علي عزت وزملاؤه في جمعية الشبان المسلمين وأفهموا الطلاب المسلمين أن الفكر النازي معادٍ للإسلام، وأن الحركة النازية ضدّ المسلمين، ويحرم على المسلم أن ينتسب إلى الحركة النازية تحت أي ذريعة.

واستطاع علي عزت وزملاؤه في الجمعية التأثير في الطلبة، فاستاء النازيون الألمان من الجمعية، وحاربوها، ولم يسمحوا لها بالترخيص والعمل الحر.

وعندما تحررت يوغسلافيا، ورحلت عنها الجيوش الألمانية، واتخذت الشيوعية مذهباً وديناً أواخر عام 1945 تصدّى الطالب الشاب علي عزت للشيوعية، كما كان يتصدّى للنازية، فاعتقله الشيوعيون مراراً، وهو طالب في الجامعة.

لقد كان الشيوعيون أقسى على المسلمين من النازيين والملكيين، فقد أغلقوا المساجد، ومدارس المسلمين وحوّلوها إلى ملاهٍ ومتاحف وبارات وحانات ومراقص، ومنعوا اقتناء المصاحف، وفعلوا الأفاعيل بعلماء المسلمين وبالمتدينين، قتلاً، وسجناً، وتعذيباً، ومطاردة..

لم يفتّ هذا في عزيمة الشاب، بل زاده صلابة وتصميماً على الكفاح، والعمل بأساليب شتى، فاعتقله الشيوعيون أكثر من مرة فما يزيده الاعتقال والتعذيب إلا إيماناً بصحة الطريق الذي يسير فيه، وتمسكاً به.

وكان عهد ( تيتو) صديق عبد الناصر الأثير، من أشدّ العهود قسوة على المحامي علي عزت، حتى هلاكه سنة 1980 ، فقد كان هذا الديكتاتور الدموي يكره علي عزت، وعندما زاره عبد الناصر، سأله عن علي عزت، فأجابه تيتو: إنه رجل خطير.. أخطر من تنظيم الإخوان المسلمين في مصر، فهو يطالب ويرى أن تتولى الحركة الإسلامية السلطة في كل بلد تكون لها الأكثرية فيه.

وقد حكم عليه بالسجن مدة خمس سنوات مع الأشغال الشاقة عام 1949 وكانت تهمته، أن له علاقة بجمعية الشبان المسلمين، مع أن هذه الجمعية ما كانت تتعاطى مع العمل السياسي، وكانت اهتماماتها مقتصرة على تعليم العلوم الشرعية، وعلى أعمال الخير.

وفي آب/ أغسطس 1983 حكموا عليه في محكمة سراييفو، مع أحد عشر شاباً من زملائه- بينهم شاعرة مسلمة - حكموا عليهم بالسجن أربعة عشر عاماً، بتهمة الانحراف نحو الأصولية، وكان من الواضح أن الحكام الشيوعيين هناك، رأوا أن فلسفة علي عزت، وما يدعو إليه، خطر عظيم على فكرتهم الماركسية الموغلة في الهمجية والتوحش.

بعد تصدّع الأنظمة الشيوعية في أوربا الشرقية، وفي الاتحاد السوفيتي عام 1410هـ - 1990م وعدم قدرة تلك الأنظمة المنخورة الفاسدة على كبح جماح الشعوب التي بدأ تململها يظهر على السطوح، بعد عشرات السنين من القمع والاستبداد، اضطر الحزب الشيوعي اليوغسلافي إلى السماح بالتعددية السياسية، فاهتبل الدكتور علي عزت هذه الفرصة، وبادر إلى تأسيس حزب العمل الديمقراطي، وشارك في الانتخابات الرئاسية، وفاز فيها، وصار رئيساً لجمهورية البوسنة والهرسك، في جمادى الأولى 1411هـ الموافق لتشرين الثاني/ نوفمبر 1990.

وأجرى استفتاء شعبياً على الاستقلال عن الاتحاد اليوغسلافي، كما استقلت كرواتيا وسلوفينيا، وصوّت الشعب المسلم على الاستقلال بأكثرية 63% ولكن الغرب الصليبي لم يرض بهذه النتيجة، فشنّ حملة إعلامية ظالمة ضد مسلمي البوسنة، الأمر الذي جعل الصرب الهمج ينقضون على البوسنة، في حرب عرقية دينية دموية، وحرب إبادة شاملة، وتطوع آلاف من نصارى أوربا للقتال في صفوف الصرب، ووقعت الدولة البوسنية الوليدة بين فكي كماشة، فالصرب من جهة، والكروات من جهة ثانية، استطاعوا تمزيقها، وكادوا يجهزون على شعبها الأعزل الآمن، بآلة الحرب اليوغسلافية الرهيبة التي كانت في أيدي الصرب المتوحشين..

جرى هذا على مرأى ومسمع من الأوربيين والأمريكان، وعلى مرأى ومسمع من الأمم المتحدة التي كانت اعترفت بجمهورية البوسنة والهرسك، بحيث غدت هذه الجمهورية عضواً في هيئة الأمم المتحدة.. لم يتحرك المجتمع الدولي الذي سبق له أن اعترف بهذه الدولة، ولا تحركت أمريكا، وتركوا الصرب والكروات، وعصابات (الشِّتْنك) الصربية الإرهابية، ومن انضمّ إليها من نصارى أوربا، يفتكون بالمسلمين، ويرتكبون المجازر الجماعية التي لم تُكتشف كل مقابرها الجماعية بعد، ويغتصبون حوالي مئة ألف امرأة وفتاة مسلمة، وهم (يتفرجون) عليهم، والمسلمون كالأغنام في الليالي المطيرة، لا حول لهم ولا طول، وكان على شعب البوسنة والهرسك، أن يختار بين الانضمام إلى الكروات أو الصرب، الخصمين اللدودين اللذين لا يجتمعان إلا على حرب المسلمين، وكان هذا الاختيار كالاختيار بين سرطان الدم، وسرطان الدماغ - كما قيل- والرئيس الداهية علي عزت- صاحب العين البصيرة، والفكر العميق، والنظرة البعيدة، واليد القصيرة - كان يسعى ويفكر في الطريقة التي تجنّب شعبه ما يمكن من الخسائر، فكان يتحرك هنا وهناك، ويعرض مقترحاته وأفكاره، ويضطر للتراجع أمام التواطؤ الغربي الأمريكي الذي لم يتحرك إلا عندما رأوا الصمود الأسطوري لذلك الشعب المسلم الذي بدت كفّته القتالية ترجح على الصرب الأوباش.

من أجل إنقاذ شعبه، تقدّم الرئيس علي عزت بحلّ وسط إلى قمة رؤساء الجمهورية في شعبان 1411هـ - شباط 1991 يتمثل في إقامة (فيدرالية متناسقة) .

كان هذا المشروع كفيلاً بإنقاذ يوغسلافيا من التمزق والانهيار، ومن الحرب الأهلية بين الجمهوريات والأعراق، لذلك حظي هذا المشروع بدعم الجماعة الأوربية، ولكن الصرب والكروات وسلوفينيا عارضوا المشروع، وكانت المحنة الرهيبة التي لن ينساها المسلمون لأولئك الحاقدين على مدى الزمان.. لن ينسوا ثلاث مئة وخمسين ألف شهيد، وحوالي مئة ألف عرض منتهك.. لن ينسوا المنازل التي هدموها على رؤوس أصحابها، ولا المساجد التي دمّروها، ولا الجرائم الكثيرة التي لا تخطر إلا على بال الأبالسة وعتاة المجرمين، ولن يقبلوا اعتذاراًَ من أوربا وأمريكا.

وفــــاته:

لقد لقي ربَّه راضياً مرضياً يوم الأحد، التاسع عشر من تشرين الأول المنصرم، عن عمر ناهز الثامنة والسبعين . وقد أعلن راديو البوسنة وفاته، ولم يتمكن مسلمو البوسنة من إعلان الحداد الرسمي عليه، فقد اعترض على ذلك ممثل الصرب في الرئاسة الجماعية، لأن الصرب الحاقدين يعدون الرئيس علي عزت عدوّهم اللدود الذي وقف بدهاء وجرأة وذكاء في وجه أطماعهم في ابتلاع البوسنة والهرسك، من أجل إقامة إمبراطورية صربية طالما حلموا بها.

جوائز دولية حصل عليها


جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام 1993م.
جائزة (مفكر العام) من مؤسسة علي وعثمان حافظ عام 1996

جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم (رمضان 1422هـ)، تقديراً لجهوده في خدمة الإسلام والمسلمين.
جائزة الشيخ جلال الدين الرومي الدولية لخدمة الإسلام في تركيا.
جائزة الدفاع عن الديموقراطية الدولية، من المركز الأمريكي للدفاع عن الديموقراطيات والحريات.


مؤلفاته


هروبي إلى الحرية

عوائق النهضة الإسلامية

الأقليات الإسلامية في الدول الشيوعية

البيان الإسلامي

الإسلام بين الشرق والغرب

نوشته شده توسط سرگروه الهیات در دوشنبه دوم بهمن 1385 ساعت 23:23 | لینک ثابت |
موضوعات الغلاف
د. عمر عبدالكافي : أمتنا تمرض.. لكن لا تموت.. والإسلام قادم
حوار : محمود إبراهيم

د.عمر عبدالكافي
د.عمر عبدالكافي

المجتمع / الحوار مع داعية ومفكر إسلامي مثل الدكتور عمر عبدالكافي مدير مركز الدراسات القرآنية بجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، وعضو هيئة الحكماء بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، عضو المجمع الفقهي بالهند، يكتسب أهمية كبرى في هذا التوقيت الذي تمر به الأمة من ضعف، وقد جاء حوار المجتمع معه شاملاً لكافة الأحداث .. وإليكم ما دار في هذا الحوار:

كيف ترى واقع العمل الدعوي في الأمة الإسلامية في ظل الظروف الدولية والإقليمية؟!
أستطيع القول إن الصورة أصحبت واضحة جلية أمام العوام والخواص في العالم أجمع، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر عما كانت في القرن الماضي وبخاصة في فترة الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، ذلك أن أحداث 11سبتمبر تمثل عام الفيل بالنسبة لأمريكا، وأصبح الأمر إما مسلم يدافع عن عقيدته وإسلامه، وإما معادٍ للإسلام وهم صنفان: إما من غير المسلمين أو من الطابور الخامس الموجود في صفوفنا.. وكما يقال: "رب ضارة نافعة"، فأحداث 11 سبتمبر وما تبعها من هجوم وإساءة للإسلام وتضييق على المسلمين، كل ذلك أسباب أيقظت حس الأمة، وأكدت للذين لا يحبون دين الله الإسلام ويكرهون فكرة وجوده على الساحة، أن وجوده مازال قوياً رغم كل ما يحاك ضده.

ما تقييمكم للخطاب الدعوي الإسلامي المعاصر؟ وما أهم شروط وضوابط الداعية الناجح؟
أرى أن الخطاب الإسلامي المعاصر أكثر وعياً من العقود الثلاثة الماضية، فأصبح الدعاة الربانيون لديهم إدراك تام لحقيقة الوضع العالمي والإقليمي. والدعاة في الأمة على نوعين: داعية عامل، و"عامل" داعية، وبين التقسيمين يندرج جميع الدعاة الموجودين على الساحة. فحمل هم الدين ليس عند الكثرة الكثيرة من الدعاة، وإنما عند الدعاة الذين غُرست محبة الدعوة إلى الله في قلوبهم وارتبطت بهم الجماهير المسلمة.
أما الذين يتاجرون بالدعوة ويسترزقون من ورائها.. هؤلاء بضاعتهم مردودة إليهم ولن تدوم طويلاً، لأنهم فقدوا الصدق والإخلاص في دعوتهم.

التضييق على الدعاة


باعتباركم من الدعاة الذين عانوا من التضييق عليهم إلى حد الهجرة من بلدكم إلى دولة أخرى، فبم تقيمون ممارسات التضييق المستمرة على بعض الدعاة واستدعاء أجهزة الأمن لهم عندما يتناولون في خطبهم ودروسهم أمراً يتعلق بالسياسة؟
أولاً: العداء أو الصدام بين الأجهزة الأمنية والرسمية في الدول الإسلامية وبين الدعاة أمر مرفوض ويجب ألا يحدث لأننا جميعاً في سفينة واحدة، ومن الواجب على الجهات الحكومية أو الرسمية أن تستوعب وتحتضن الدعاة المخلصين وهم كثيرون في الدول الإسلامية باستخدام دعوتهم الوسطية لإيجاد بعد أمني واجتماعي في هذه الدول وللمحافظة على أمنها واستقرارها. ومعاداة الدعاة الذين ارتبطت بهم الجماهير وتأثروا بهم ليس من المصلحة في شيء، لأن هذه التصرفات تجعل جماهير المسلمين تسخط على الأنظمة الرسمية التي تحارب الدعاة، لأنهم يرون أنهم بهذا التضييق يحاربون دين الله تعالى، لذلك أدعو بهدوء كل القوى الحاكمة في العالم العربي والإسلامي إلى احتضان الدعاة، وأن تفتح أمامهم آفاق الدعوة وألا تضيق عليهم وأن يستثمروا دورهم وتأثيرهم على الجماهير لتحقيق مصلحة أمن البلاد والوطن، فالدعاة ورجال الأمن هم أداة بناء وتقدم.

حديث الإصلاح


الحديث عن الإصلاح هو قضية القضايا في معظم الدول العربية والإسلامية في السنوات القليلة الماضية، وأصبحت معظم الدول العربية تتبارى في تحقيق إصلاحات دستورية وتشريعية وغيرها تنفيذاً لتوجهات غربية، فكيف ترى أبعاد هذه القضية في هذا التوقيت تحديداً؟

الإصلاح أمر طيب يؤيده الإسلام ويدعو إليه.. ولكني أؤكد أننا أمة لا يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها، وهو الكتاب والسنة، فالأمة مهزومة منذ قرون، أما آن لنا كعقلاء ومفكرين أن نبحث عن سبب نكبة وتخلف الأمة وتراجعها عن الركب العلمي والحضاري، وأن نبحث عن أسباب نهضتها!! ونضع دراسة جدوى ليس لجيلنا فقط، وإنما للأجيال القادمة؟! ولماذا لا نُعد خطة خمسينية وليس خطة خمسية أو عشرية للنهوض بالأمة، وإصلاح أمرها، ولا ننتظر من يفرض علينا الإصلاح من الخارج؟
وضع هذه الاستراتيجية الخمسينية مسؤولية من؟
هذه الخطط يضعها أهل الحل والعقد والمفكرون والعقلاء الذين يغارون على أمتهم ويحبون دولهم وأوطانهم، وهم كثيرون في العالم الإسلامي، ومطلوب فقط إعطاؤهم الإمكانيات والصلاحيات لتنفيذ هذه الخطة التي لا تصبح حبراً على ورق، أو توصيات لا تنفذ!!

الرد على العلمانيين


كيف ترى أسلوب التعامل الأمثل مع فكر العلمانيين الذين لا يملون من الدعوة إلى فصل الدين عن حياتنا؟
مثل هذه الدعوات العلمانية تمثل فهماً قاصراً للدين، فالدين الإسلامي هو الذي يضبط وينظم حياتنا في كل المجالات، وليس في المسجد كما يقولون، وما يردده العلمانيون في الشرق هو ما قالته العلمانية الأوروبية التي فصلت الدين عن الدولة.. وأحب أن أطمئن جماهير المسلمين أن تيار العلمانية في دولنا الإسلامية هو تيار ضعيف جداً، وهم مفضوحون أمام الناس لأن أي إنسان ينفلت عن دينه لا نجد من يثق فيه أو يأخذ عنه، فأفكار العلمانيين هي أفكار تؤخر الأمة ولا تقدمها.

التشكيك في القرآن


ما رؤيتكم لحملات الهجوم على القرآن والتشكيك في نصه وهناك موقع على الإنترنت يبث ما يسمى "بالفرقان" يكتب على نسق القرآن ولكنه ليس بقرآن؟.. فكيف ترى خطورة ذلك..؟ وما واجب المؤسسات الإسلامية للتصدي لهذه الهجمات؟!
ما حارب أحد أو وقف في وجه كتاب الله يريد أن ينال منه إلا وكانت الهزيمة من نصيبه بشكل عاجل، لأن القرآن الكريم محفوظ من الله عز وجل لقوله تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) (الحجر)، فلو اجتمعت البشرية كلها على هدم كلمة أو حرف واحد فيه لن يستطيعوا المساس به، ويجب أن نطمئن لهذا تماماً، أما نحن فإننا مقصرون تجاه كتاب الله تعالى فلم نطبقه في واقع حياتنا، ونحن الذين تركنا هؤلاء يتجرؤون على كتاب الله ويفعلون بنا الأفاعيل!!
وأحب أن أقول: إن من واجبنا أن نشغل أنفسنا ببيان عظمة ما في أيدينا وهو القرآن الكريم، لأنه أمر عظيم وكما يقول الشيخ الغزالي يرحمه الله: "إن الإسلام بضاعة ثمينة تريد تاجراً شاطراً لعرضها". والحقيقة أن عدم وجود التاجر الشاطر هو الذي يسيء إلى ما في أيدينا من قيمة أوجدها الله تعالى لنا وفضلنا على بقية خلقه بنزول القرآن علينا.

الإساءة للإسلام والهزيمة النفسية


كما تعلمون ويعلم الجميع أن الإسلام يواجه حرباً شرسة في الغرب وشوهت صورته، وكثرت الشبهات ضده.. فضلاً عن سوء معاملة المسلمين في البلاد الغربية وإهانتهم.. مما خلق شعوراً عاماً بالهزيمة النفسية لدى جماهير المسلمين..؟
هذا الهجوم الكبير على الإسلام والمسلمين في الغرب وخلق الذرائع والشبهات حوله يؤكد أن جسد الإسلام والأمة الإسلامية مازال حياً، ولو أن الأمة ميتة، ما ضربها أو هاجمها أحد، كما أن العداء والهجوم على الإسلام وتشويه صورته هو أمر طبيعي منذ نزول "اقرأ"، وحتى تقوم الساعة، ولنعلم أنه إذا لم يحدث عداء أو هجوم فهذا يدل على أن الأمة ميتة وكل ما يحدث من هجوم ومحاربة هذا أكبر دليل على صحوتها، وأذكر أن رابين يوم أن هنأ كارتر بنجاحه في الانتخابات الأمريكية قال: إن المارد الإسلامي بدأ يتململ، وكان نيكسون يقول "نحن نؤخر خروج المارد الإسلامي من القمقم".
وقد عقد مؤتمر مؤخراً في الغرب حضرته النخبة الغربية والأوروبية وقالوا: إن الإسلام قادم إلى الغرب فماذا نحن فاعلون!!
كل ذلك يؤكد ويدلل على أن العداء والهجوم الذي يكيلونه للإسلام والمسلمين في السنوات الأخيرة هو حقد وغيظ لنجاح الإسلامي وانتشاره، في بلادهم، وصدق الله العظيم: قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون 118 (آل عمران)، وقوله: ولن ترضى" عنك اليهود ولا النصارى" حتى" تتبع ملتهم (البقرة:120).

خطوة على الطريق


قامت بعض المؤسسات الإسلامية في العالم الإسلامي والرموز المعروفة من الدعاة في الأمة بالمساهمة في تصحيح صورة الإسلام في الغرب والرد على الافتراءات والشبهات التي يتعرض لها الإسلام في الآونة الأخيرة.. فما تقييمكم لهذه الجهود وهل هي كافية؟!
ما تم من جهود في هذا الأمر هي خطوة على الطريق، إلا أنها ليست كافية إذا ما قورنت بحجم الهجوم الشرس على الإسلام والمسلمين في الغرب، ولكن لو جمعنا جهودنا وقامت المؤسسات الإسلامية الكبرى في الأمة بعمل مؤسسي إسلامي كبير منظم يقوم بعرض الإسلام على الغرب عرضاً طيباً.. فأعتقد أن هذا هو الأهم.. وأهم من هذا كله أن يجد الغرب المسلمين أو شرائح متعددة منهم تطبق الإسلام الحقيقي في كافة شؤون حياتهم، وهذا أكثر فاعلية من الكلام الكثير والمحاضرات والمؤتمرات.

الإعجاز العلمي ودعوة غير المسلمين


شاركتم مؤخراً في فعاليات المؤتمر العالمي الثامن للإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة بالكويت.. إلى أي مدى تحتاج الأمة الإسلامية إلى طرح قضايا الإعجاز العلمي في القرآن والسنة وكيف نستثمر هذا المجال في دعوة الغرب إلى الإسلام؟!
مثل هذه المؤتمرات التي تعرض الجديد من الأبحاث العلمية والطبية التي تؤكد إعجاز الله تعالى في مجال من المجالات عمل طيب، ولكي تعم الفائدة من أبحاث مؤتمر الإعجاز العلمي للقرآن والسنة يجب على وسائل الإعلام المختلفة نشر هذه الأبحاث على نطاق واسع، كما يجب على المؤسسات الإسلامية المعنية ترجمة هذه البحوث ونشرها باللغات الحية وهذه لغة العصر، فلو عرضنا ذلك عرضاً جيداً فإما أن نكسب مسلمين جدداً أو أن نحيد من يعادي الإسلام.

اتهام باطل


أعداء الأمة يتهمون العمل الخيري بأنه داعم للإرهاب، الأمر الذي تأثرت معه الجهود الخيرية وبعضها توقف.. فما رؤيتكم لمستقبل وواقع العمل الخيري في الأمة وهل سيتأثر بمثل هذه الاتهامات الباطلة؟!
أرى أن هذه مسألة مرحلية ستزول، فكراهية المعادين للعمل الخيري الإسلامي غير مبررة وغير سليمة، فلديهم مؤسسات الصليب الأحمر وهيئات الرفق بالحيوان، فأوروبا تنفق وحدها حسب تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة 67 مليار يورو على القطط والكلاب، وينما تنفق على التعليم والصحة 19 مليار يورو وهم يتهمون العمل الخيري الإسلامي في الأمة بأنه داعم للإرهاب، وهذا غير صحيح.. ورغم كل ذلك أرى أن العمل الخيري الإسلامي مستمر ويقوى وسوف يعود إلى ما كان عليه في القرن الماضي من ازدهار بعد أن تنزاح الغمة لأنه لا يصح إلا الصحيح.

جهل وانغلاق


فيما يتعلق بالآراء الجديدة الشاذة والغريبة التي منها أن تدخين السجائر لا يفطر الصائم لأنه ليس طعاماً أو شراباً يدخل المعدة، وكذلك اللبان وغير ذلك.. هل مثل هذا الكلام يعد اجتهاداً في الدين؟
كل ذلك ليس اجتهاداً في الدين وإنما هو نوع من الجهل، ويجب أن نعيدها إلى المجامع الفقهية الموجودة في الأمة كمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر أو مجمع الفقه الإسلامي بالسعودية، لأن عهد الفقيه الأوحد قد ولى.. وعهد ابن تيمية وابن القيم والأئمة الأربعة قد ولى، ونحن الآن نحتاج إلى عدة تخصصات لكي نصدر فتوى واحدة، ولا يستطيع الفقيه المتخصص في الفقه أن يفتي لمريض الكلى بأن يفطر في رمضان إلا بالعودة إلى طبيب أمراض المسالك البولية، فهو الذي يقول إنه لو صام سوف يهلك. فهنا يجب على المفتي الشرعي أن يفتي له بالفطر وهكذا، فنحن نريد في هذا العصر أن تضم المجامع الفقهية كافة التخصصات العلمية، للرجوع إليهم في الفتوى ذات الصلة مثل علوم الكيمياء والفلك والكمبيوتر وغير ذلك من العلوم المتعلقة بأنشطة الحياة المختلفة حتى تخرج الفتوى دقيقة وصحيحة، وبذلك نقضي على تضارب الفتوى واختلافها.

ضوابط الاجتهاد


مسألة البلبلة في الفتوى وتضارب الإجابات حول المسألة الواحدة أعتقد أن السبب فيها الفضائيات لاستضافتها من هم غير أهل للفتوى، وأصبح كل من "هب ودب" يفتي في الدين.. فما تقييمكم لذلك؟ ومن له حق الإفتاء في الدين أو الاجتهاد فيه بشكل صحيح؟!
يحق للمسلم الذي يحفظ القرآن الكريم وملم بقواعد اللغة العربية وبأصول الفقه وبالواقع الذي يحياه وملم بإنزال النص على الواقع أن يفتي في الدين وأن يجتهد، ولا يجوز لأي أحد أن يفتي في الدين لأن الفتوى مسؤولية كبرى أمام الله. وأعتقد أن كثرة الذين يفتون بغير علم أو دراسة أو خبرة أو علم سببه غياب المجامع الفقهية والاتحادات الكبيرة لعلماء المسلمين.

الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


منذ سنتين أسستم في لندن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين برئاسة الدكتور يوسف القرضاوي وعضوية المئات من العلماء البارزين من أمثالكم، إلا أن هناك تعتيماً على هذا الاتحاد.. وعدم إظهار دوره وأهدافه.. نريد التعليق؟!
نعم.. الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يواجه تعتيماً إعلامياً وتتجاهله الفضائيات ووسائل الإعلام الإسلامية، فضلاً عن العربية والغربية، لظنهم أن إنشاء الاتحاد يضاد المؤسسات الإسلامية الرسمية، وكنت أتوقع وأتمنى أن يكون الاتحاد هو الصيغة التي يرتضي بها كل مسلم على الأرض لأننا نذهب إلى اجتماعاته من جيوبنا الخاصة ولا يقوم عليه دولة أو مؤسسة ولا يؤثر في قرارنا أو في فتوانا أحد إلا المصلحة وتحقيق شرع الله في الأرض.

قضية الحجاب..


قضية الحجاب تثار بين الحين والآخر.. كيف نحسم هذه القضية حتى لا نجد من يتطاول مرة أخرى على فريضة من فرائض الإسلام؟!
حسم هذه القضية بأن يبين مفتي كل دولة والعلماء فيه للناس حكم المنكِر شيئاً هو معلوم من الدين بالضرورة، ولا يجب أن نهون من المسألة أو نقول إن هذا الأمر بسيط، وأرى أنه بدلاً من الضجة الكبيرة التي أثيرت حول الحجاب، يجب أن تخرج فتوى واضحة بفرضية الحجاب على المرأة المسلمة، وأنه ليس في شريعة الإسلام أن يقول إنسان رأيه الشخصي فيما شرعه الله وكلف به عبادة. فمما قاله وزير الثقافة المصري فاروق حسني بأن ما قاله في الحجاب رأي شخصي نقول له: لا يحق أن تقول رأيك الشخصي في شيء من الإسلام على الملأ وتنشره كافة وسائل الإعلام، وإنما رأيك الشخصي تقوله في غرفتك الشخصية أو تحبسه في عقلك أو تفضي به لأحد من أصدقائك، لأن إنكار شيء معلوم من الدين بالضرورة يخرج الإنسان من الملة، ويقول الفقهاء إن من أنكر آية من كتاب الله فقد أنكر القرآن كله.

النقاب فضيلة أم فريضة؟


تتجه كثير من الفتيات والسيدات في مصر وفي غيرها من الدول الإسلامية في الآونة الأخيرة إلى ارتداء النقاب.. إلا أن الآراء تتضارب فيه بين مؤيد ومعارض وبين مرحب ورافض.. له فما هو القول الصحيح؟! وكيف نحسم هذا الأمر؟!
قضية ارتداء المرأة النقاب تحكمها البيئة والعرف، فإذا كانت المرأة في دولة تعتبر أن النقاب فرض فعليها أن ترتديه وإن كانت في دولة تعتبره فضيلة وفضل، فلها الخيار في ارتدائه.. وأرى أن نهتم بقضايا أكبر من ذلك، وبدلاً من أن نشن حرباً شعواء على المنقبات يجب أن نشن الحرب على الفيديو كليب والبلاي ستيشن، والانحلال الأخلاقي، والعري الفاحش، الذي أصاب الأمة، وأتساءل: لماذا يغضب المعادون للنقاب والحجاب مع كل محاولة لستر المرأة والحفاظ عليها، ولا يغضبون للعري الفاحش!!

كلمة تفاؤل وأمل


نريدك أن توجه كلمة في الختام إلى من يشعرون بالإحباط النفسي من واقع الأحداث المؤلمة في الأمة والتحديات والضغوط والضعف وتداعي الأمم علينا في هذه المرحلة...؟!
أقول: إن أمتنا تمرض ولكن لا تموت، وأمتنا تضعف ولكن لا تنتهي ولا تنهزم.. أمتنا شروق لا غروب.. أمتنا أمة الخير والخيرية، والقرآن محفوظ من الله، والسنة المطهرة محفوظة، والإسلام قادم لا محالة، وعند اللحظة الفارقة الكبرى لن تختار البشرية إلا الإسلام.
نوشته شده توسط سرگروه الهیات در دوشنبه دوم بهمن 1385 ساعت 23:13 | لینک ثابت |

دعوة *

التّعريف :

1 - الدّعوة مصدر " دعا " تقول : دعوت زيداً دعاءً ودعوةً ، أي ناديته .

وقد تكون للمرّة كقوله تعالى : { ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ } أي دعاكم مرّةً واحدةً . والدّعوة تأتي في اللّغة لمعان منها :

أ - النّداء ، تقول دعوت فلاناً أي ناديته ، وهذا هو الأصل في معنى " دعا " مطلقاً ولو من الأعلى للأدنى ، ومنه قوله تعالى : { يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } .

ب - الطّلب من الأدنى إلى الأعلى ، ومنه قوله تعالى : { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } واستعمال لفظ الدّعاء في هذا أكثر من " الدّعوة " .

ومثله " الدّعوى " كما في قوله تعالى : { وَآخِرُدَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أي آخر دعائهم ، وقد يخصّ بطلب الحضور ، تقول : " دعوت فلاناً " أي قلت له تعال .

ج - والدّعوة الدّين أو المذهب ، حقّاً كان أم باطلاً ، سمّي بذلك لأنّ صاحبه يدعو إليه ، ومنه قوله تعالى : { لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ } .

د - والدّعوة ما دعوت إليه من طعام أو شراب . وخصّها اللّحيانيّ بالدّعوة إلى الوليمة ، وهي طعام العرس .

هـ - والدّعوة الحلف ، أي لأنّه يدعى به للانتصار .

و - والدّعوة النّسب ، تقول : فلان يدعى لفلان ، أي ينسب إليه ، ومنه قوله تعالى : { ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ } والمنسوب إلى غير أبيه يقال له : الدّعيّ ، وأكثر العرب يقولون في النّسب " الدّعوة " وقال ابن شميل : الدِّعوة " بكسر الدّال " في النّسب ، والدّعوة في الطّعام ، و عديّ بن الرّباب على العكس يفتحون الدّال في النّسب ويكسرون في الطّعام ، ونقل ابن عابدين أنّ الدّعوة في دار الحرب بالضّمّ .

ز - والدّعوة الأذان أو الإقامة ، وفي الحديث : « الخلافة في قريش ، والحكم في الأنصار ،  والدّعوة في الحبشة » .

جعل الأذان في الحبشة تفضيلاً لمؤذّن بلال ، وإنّما قيل للأذان ذلك لأنّه دعوة إلى الصّلاة ، ولذلك يقول المجيب : « اللّهمّ ربّ هذه الدّعوة التّامّة والصّلاة القائمة ... إلخ » .

وأمّا في اصطلاح الفقهاء فإنّ الدّعوة لا تخرج عن هذه المعاني المذكورة .

2 - وسنقصر البحث في هذا المصطلح على المعاني التّالية :

أ - الدّعوة : بمعنى طلب الدّخول في الدّين والاستمساك به .

ب - والدّعوة : بمعنى المناداة وطلب الحضور إلى الدّاعي .

وأمّا الدّعوة : بمعنى الدّعاء . وهو الرّغبة إلى اللّه تعالى في أن يجيب سؤال الدّاعي ويقضي حاجته فتنظر أحكامها في ( دعاء ) .

وأمّا الدّعوة بمعنى النّسب فتنظر أحكامها في : ( نسب ) .

أوّلاً :

الدّعوة بمعنى الدّين " أو المذهب " أو بمعنى الدّخول فيهما :

3 - أمّا بالمعنى الثّاني فواضح مأخذه لغةً ، فإنّ الدّاعي يطلب من غيره أن يتابعه على دينه، والطّلب دعوة .

وأمّا إطلاق الدّعوة على الدّين نفسه ، أو على المذهب ، فلأنّ صاحبه يدعو إليه ، ومنه قوله تعالى : { لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ } قال الزّجّاج : جاء في التّفسير أنّها شهادة أن لا إله إلاّ اللّه أي لأنّها يدعى إليها أهل الملل الكافرة . وفي كتاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى هرقل : « إنّي أدعوك بدعاية الإسلام » وفي رواية « داعية الإسلام » . قال ابن منظور : أي بدعوته .

ويطلق على الأديان والمذاهب الباطلة أنّها دعوات ، كدعوات المتنبّئين ، وأرباب المذاهب الفاسدة المبتدعة ، كالدّعوات الباطنيّة الّتي أكثرت من استعمال هذا المصطلح ومشتقّاته ، غير أنّ " الدّعوة " إذا أطلقت في كلام الفقهاء فالمعنيّ بها دعوة الحقّ وهي الدّعوة الإسلاميّة ، كقولهم في أبواب الجهاد : لا يحلّ لنا أن نقاتل من لا تبلغه الدّعوة إلى الإسلام .

 الألفاظ ذات الصّلة :

4 - أ - الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر :

الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أوسع دلالةً من " الدّعوة " ، إذ أنّ " الدّعوة إلى اللّه " أمر بالمعروف الأكبر الّذي هو الإيمان والصّلاح ، ونهي عن المنكر الأكبر الّذي هو الكفر باللّه والإشراك به ومعصيته .

والدّعوة تهدف إلى الإقناع والوصول إلى قلوب المدعوّين للتّأثير فيها حتّى تتحوّل عمّا هي عليه من الإعراض أو العناد ، إلى الإقبال والمتابعة ، أمّا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر فقد يهدف إلى ذلك ، وقد يهدف إلى مجرّد وجود المعروف وزوال المنكر ، سواء أحصل الاقتناع والمتابعة أم لم يحصلا .

وعلى هذا فالدّعوة أخصّ من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر .

ب - الجهاد :

5 - الجهاد القتال لإعلاء كلمة اللّه ، وهو من باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، والجهاد فعل ، والجهاد ليس هو الدّعوة ، بل الدّعوة مطالبة الكافر ونحوه بالإيمان والاتّباع، والدّعوة واجبة قبل القتال ، كما سيأتي .

ج - الوعظ :

6 - الوعظ والعظة : النّصح والتّذكير بالعواقب ، قال ابن سيدة : هو تذكيرك للإنسان بما يليّن قلبه من الثّواب والعقاب . فهو أخصّ من الدّعوة ، إذ الدّعوة تكون أيضاً بالمجادلة والمحاورة وكشف الشّبه وتبليغ الدّين مجرّداً .

حكم الدّعوة :

7 - الدّعوة إلى اللّه تعالى فرض لازم ، لقوله تعالى { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } ولقوله تعالى : { قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي } وقوله : { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } واختلف في وجوب الدّعوة إلى اللّه هل هو عينيّ أم كفائيّ . وتفصيله ذكر في مصطلح : ( أمر بالمعروف ) .

فضل الدّعوة إلى اللّه تعالى :

8 - يتبيّن فضل القيام بالدّعوة إلى اللّه تعالى من وجوه : 

9 - الوجه الأوّل : أنّ الدّعوة إلى اللّه تعالى تولّاها اللّه تعالى ، فأرسل الرّسل وأنزل معهم الكتب وأيّدهم بالمعجزات ، وأمر بالتّقوى ، وأمر النّاس بعبادته وحده لا شريك له ، كما أنّه في مخلوقاته نصب الأدلّة على كونه الرّبّ الخالق الّذي ينبغي أن يعبد ، وفي كتبه ذكر البراهين الّتي تثبت ذلك ، ثمّ بشّر وحذّر وأنذر ، وقال : { وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } .

وتولّى الدّعوة أيضاً رسله عليهم الصلاة والسلام بتكليف من اللّه تعالى ، فإنّ مضمون الرّسالة الدّعوة إلى اللّه تعالى ، كما قال : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ } .

وقال : { رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } .

وآخر الرّسل محمّد صلى الله عليه وسلم بعثه اللّه تعالى وحدّد له مهامّ الرّسالة ومنها الدّعوة إليه تعالى ، فقال : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً } .

فوظيفة الدّاعية إذن من الشّرف في مرتبة عالية ، إذ أنّها تبليغ دعوة اللّه تعالى ، ومتابعة مهمّة الرّسل ، والسّير على طريقهم ، كما يشير إليه قوله تعالى : { قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي } .

وقد أخبر اللّه تعالى أنّ من دعاء عباد الرّحمن أن يقولوا : { وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } قال قتادة : " أي قادةً في الخير ، ودعاة هدىً يؤتمّ بنا في الخير " .

10 - الوجه الثّاني : ما يشير إليه قوله تعالى : { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً... } فإنّه يبيّن أنّ الدّعاء إلى اللّه ، وما يتبع ذلك ، هو أحسن القول ، وأعلاه مرتبةً، وما ذلك إلاّ لشرف غاياته وعظم أثره .

11 - الوجه الثّالث :